[مقدمة الكتاب]
. . . . الطبري شيخ الدين فجاء فيه بالعجب العجاب، ونثر فيه ألباب الألباب، وفتح فيه لكل من جاء بعده إلى معارفه الباب؛ فكل أحد غرف منه على قدر إنائه، وما نقصت قطرة من مائه، وأعظم من انتقى منه الأحكام بصيرة: القاضي أبو إسحاق، فاستخرج دررها، واستحلب دررها، وإن كان قد غير أسانيدها لقد ربط معاقدها، ولم يأت بعدهما من يلحق بهما.
ولما من الله سبحانه بالاستبصار في استثارة العلوم من الكتاب العزيز حسب ما مهدته لنا المشيخة الذين لقينا، نظرناها من ذلك المطرح، ثم عرضناها على ما جلبه العلماء، وسبرناها بعيار الأشياخ.
فما اتفق عليه النظر أثبتناه، وما تعارض فيه شجرناه، وشحذناه حتى خلص نضاره وورق عراره.
فنذكر الآية، ثم نعطف
على كلماتها بل حروفها، فنأخذ بمعرفتها مفردة، ثم نركبها على أخواتها مضافة، ونحفظ في ذلك قسم البلاغة، ونتحرز عن المناقضة في الأحكام والمعارضة، ونحتاط على جانب اللغة، ونقابلها في القرآن بما جاء في السنة الصحيحة، ونتحرى وجه الجميع؛ إذ الكل من عند الله، وإنما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - ليبين للناس ما نزل إليهم، ونعقب على ذلك بتوابع لا بد من تحصيل العلم بها منها، حرصا على أن يأتي القول مستقلا بنفسه، إلا أن يخرج عن الباب فنحيل عليه في موضوعه مجانبين للتقصير والإكثار، وبمشيئة الله نستهدي، فمن يهد الله فهو المهتدي لا رب غيره.
[سورة الفاتحة فيها خمس آيات]
[الآية الأولى قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم]
الآية الأولى [قوله تعالى]:
{بسم الله الرحمن الرحيم}
[الفاتحة: 1] فيها مسألتان: المسألة الأولى: قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1].
اتفق الناس على أنها آية من كتاب الله تعالى في سورة النمل، واختلفوا في كونها في أول كل سورة، فقال مالك وأبو حنيفة: ليست في أوائل السور بآية، وإنما هي استفتاح ليعلم بها مبتدؤها.
وقال الشافعي: هي آية في أول الفاتحة، قولا واحدا؛ وهل تكون آية في أول كل سورة؟ اختلف قوله في ذلك؛ فأما القدر الذي يتعلق بالخلاف من قسم التوحيد والنظر في القرآن وطريق إثباته قرآنا، ووجه اختلاف المسلمين في هذه الآية منه، فقد استوفيناه في كتب الأصول، وأشرنا إلى بيانه في مسائل الخلاف، ووددنا أن الشافعي لم يتكلم في هذه المسألة، فكل مسألة له ففيها إشكال عظيم.
ونرجو أن الناظر في كلامنا فيها سيمحي عن قلبه ما عسى أن يكون قد سدل من إشكال به.
فائدة الخلاف: وفائدة الخلاف في ذلك الذي يتعلق بالأحكام أن قراءة الفاتحة شرط في صحة الصلاة عندنا، وعند الشافعي، خلافا لأبي حنيفة حيث يقول: إنها مستحبة، فتدخل {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] في الوجوب عند من يراه، أو في الاستحباب [كذلك].
ويكفيك أنها ليست بقرآن للاختلاف فيها، والقرآن لا يختلف فيه، فإن إنكار القرآن كفر.
فإن قيل: ولو لم تكن قرآنا لكان مدخلها في القرآن كافرا؛ قلنا: الاختلاف فيها يمنع من أن تكون آية، ويمنع من تكفير من يعدها من القرآن؛ فإن الكفر لا يكون إلا بمخالفة النص والإجماع في أبواب العقائد.
فإن قيل: فهل تجب قراءتها في الصلاة؟ قلنا: لا تجب، فإن أنس بن مالك - رضي الله عنه - روى «أنه صلى خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر، فلم يكن أحد منهم يقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ونحوه عن عبد الله بن مغفل».