مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم (¬1)
رب سهل وأعن (¬2)
الحمد لله ذي العزة والجلال (¬3)، والرحمة والأفضال، والصلاة على رسوله محمد (¬4) الممجد (¬5) المفضال، وعلى آله وأصحابه أفضل الأصحاب والآل (¬6).
قال الشيخ الإمام علاء الدين شمس النظر: أبو بكر (¬7) محمد بن أحمد السمرقندي، متعه الله من علمه (¬8):
اعلم (¬9) أن علم أصول الفقه والأحكام فرع لعلم أصول الكلام، والفرع PageV01P001 # ما تفرع من أصله، وما لم يتفرع منه فليس من نسله، فكان (¬1) من الضرورة أن يقع التصنيف في هذا الباب على اعتقاد مصنف الكتاب. وأكثر التصانيف في أصول الفقه لأهل الإعتزال المخالفين لنا في الأصول (¬2)، ولأهل الحديث المخالفين لنا في الفروع (¬3)، والإعتماد على تصانيفهم إما أن يفضي إلى الخطأ في الأصل، وإما إلى الغلط في الفرع، والتجافي (¬4) عن الأمرين واجب في العقل والشرع. PageV01P002
وتصانيف أصحابنا رحمهم الله في هذا النوع قسمان:
قسم وقع في غاية الإحكام والإتقان، لصدوره (¬1) ممن جمع الفروع والأصول، وتبحر في علوم (¬2) المشروع والمعقول، مثل الكتاب الموسوم ب "مآخذ الشرائع" والموسوم بكتاب "الجدل" للشيخ الإمام الزاهد رئيس أهل السنة: أبي منصور المتريدي السمرقندي (¬3) رحمه الله" ونحوهما من تصنيف أستاذيه وأصحابه رحمهم الله (¬4).
وقسم وقع في نهاية التحقيق والمعاني، وحسن الترتيب والمباني، لصدوره ممن تصدى لاستخراج الفروع من ظواهر المسموع. غير أنهم لما لم يتمهروا (¬5) في دقائق الأصول. في قضايا العقول أفضى رأيهم إلى رأي المخالفين في بعض الفصول.
ثم هجر القسم الأول: إما لتوحش (¬6) الألفاظ والمعاني، وإما لقصور الهمم والتواني. واشتهر القسم الآخر (¬7)، لميل الفقهاء إلى الفقه المحض، وإن وقع في البعض شوب (¬8) المخالفة والنقض. وكلا أن يكون ذلك منهم عن قصد واعتقاد، فظن (¬9) السوء في أمثالهم إثم وعناد - لكن إصابة (¬10) التفريع بدون إحكام الأصل، والأمن عن الزلل، خارج عن العقل. PageV01P003
ولم يقدم من المتأخرين ممن جبل على الذكاء والفهم، وتبحر في النوعين من العلم، على تصنيف في هذا الباب لرفع (¬1) هذا الخلل والإضطراب، لأعذار عندهم صحيحة ولموانع (¬2) كثيرة، والتوفيق عزيز، والله تعالى (¬3) يؤتي ملكه من يشاء. وليس من الشفقة والنصيحة إهمال هذا الأمر، وما للقادر عليه في الإمهال عذر - فرأيت الإقدام على إتمام هذا المرام حقا واجبا، وفرضا لازما، على نفسي، بقدر الوسع والطاقة، مع القصور في البضاعة، فأسرعت في الإقدام، خوفا من الإثم في الإعراض والإغماض (¬4)، مع الإمكان، وإشفاقا عن زوال نعم الله تعالى علي، بالكفران، مع ما أرجو من الله تعالى بذلك: ثوابا دائما، وذكرا وشرفا، إلى قيام الساعة قائما.
ولما صممت على (¬5) هذا العزم، رأيت (¬6) من الشفقة على هذه الطبقة أن أكتب جملا من الفصول، في هذا النوع من الأصول، وأذكر في كل فصل منها (¬7) مذاهب أهل السنة والجماعة، وعقائد أهل البدع والضلالة، ليكونوا على بصيرة من المذهب الصحيح، فلا يقعوا (¬8) في شيء من المعتقد القبيح، إذ الفقيه المحض لا يقف على ذلك بخاطره، فربما (¬9) يتشبث بالمذهب القبيح بحسن ظاهره، وتكون هذه الفصول إلى PageV01P004 # محض الحق هادية، وإلى رفض الهوى والبدع (¬1) داعية، ثم (¬2) من علت همته يتتبع (¬3) ما لأهل الحق من الدلائل، وما للخصوم من الشبه في المسائل - مع أني أشير في كل مسألة إلى دلائل يعتمد عليها، وعند التحقيق مال الكلام إليها، وسميت هذا الكتاب: "ميزان الأصول في نتائج العقول" ليزن العاقل قضايا العقول (¬4) بهذا الميزان، حتى يظهر له الحق مثل العيان، فيعتقد الحق الصريح، ويرد الباطل المليح (¬5)، وأطمع منه أن يذكرني بصالح الدعاء (¬6)، قضاء لحق الإخاء، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب (¬7).