[سورة الكهف (18) : آية 29]
وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29) PageV02P718
وقل الحق من ربكم الحق خبر مبتدأ محذوف. والمعنى: جاء الحق وزاحت العلل «1» فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك. وجيء بلفظ الأمر والتخيير، لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء، فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ما شاء من النجدين. شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق، وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط، وبيت مسردق: ذو سرادق وقيل: هو دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم النار. وقيل: حائط من نار يطيف بهم «2» يغاثوا بماء كالمهل كقوله:
()
فأعتبوا بالصيلم «3»
وفيه تهكم. والمهل: ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل: دردى الزيت يشوي الوجوه إذا قدم ليشرب انشوى الوجه من حرارته. عن النبي صلى الله عليه وسلم: هو كعكر الزيت «4» ، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه بئس الشراب ذلك وساءت النار مرتفقا متكا من المرفق، وهذا لمشاكلة قوله وحسنت مرتفقا وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء، إلا أن يكون من قوله:
إنى أرقت فبت الليل مرتفقا ... كأن عينى فيها الصاب مذبوح «5»
[سورة الكهف (18) : الآيات 30 الى
31]</span>
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا (31) PageV02P719
أولئك خبر إن وإنا لا نضيع اعتراض، ولك أن تجعل إنا لا نضيع وأولئك خبرين معا. أو تجعل أولئك كلاما مستأنفا بيانا للأجر المبهم. فإن قلت: إذا جعلت إنا لا نضيع خبرا، فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ؟ قلت: من أحسن عملا والذين آمنوا وعملوا الصالحات ينتظمهما معنى واحد، فقام من أحسن مقام الضمير. أو أردت: من أحسن عملا منهم، فكان كقولك: السمن منوان بدرهم. من الأولى للابتداء، والثانية للتبيين.
وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن. وجمع بين السندس: وهو ما رق من الديباج، وبين الإستبرق: وهو الغليظ منه، جمعا بين النوعين. وخص الاتكاء، لأنه هيئة المنعمين والملوك على أسرتهم.