كقولهم: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه. ثم رد الله أن تكون قلوبهم مخلوقة «1» كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، بأن الله لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر الزائغ عن الفطرة وتسببوا بذلك لمنع الألطاف التي تكون للمتوقع إيمانهم وللمؤمنين فقليلا ما يؤمنون فإيمانا قليلا يؤمنون. وما مزيدة، وهو إيمانهم ببعض الكتاب. ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم. وقيل «غلف» تخفيف «غلف» جمع غلاف، أى قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره. وروى عن أبى عمرو: قلوبنا غلف، بضمتين كتاب من عند الله هو القرآن مصدق لما معهم من كتابهم لا يخالفه. وقرئ: مصدقا، على الحال. فإن قلت: كيف جاز نصبها عن النكرة؟ قلت: إذا وصف النكرة تخصص فصح انتصاب الحال عنه، وقد وصف «كتاب» بقوله «من عند الله» وجواب لما محذوف وهو نحو:
كذبوا به، واستهانوا بمجيئه، وما أشبه ذلك يستفتحون على الذين كفروا يستنصرون على المشركين، إذا قاتلوهم قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة، ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم: وقيل معنى (يستفتحون) يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبيا يبعث منهم قد قرب أوانه. والسين للمبالغة، أى يسألون أنفسهم الفتح عليهم، كالسين في استعجب واستسخر، أو يسأل بعضهم بعضا أن يفتح عليهم فلما جاءهم ما عرفوا من الحق كفروا به بغيا وحسدا وحرصا على الرياسة. على الكافرين أى عليهم وضعا للظاهر موضع المضمر للدلالة على أن PageV01P164
اللعنة لحقتهم لكفرهم. واللام للعهد. ويجوز أن تكون للجنس ويدخلوا فيه دخولا أوليا.
[سورة البقرة (2) : الآيات 90 الى
91]</span>
بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين (91)
بئسما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس شيئا اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم أن يكفروا واشتروا بمعنى باعوا بغيا حسدا وطلبا لما ليس لهم، وهو علة اشتروا أن ينزل لأن ينزل أو على أن ينزل، أى حسدوه على أن ينزل الله من فضله الذي هو الوحى على من يشاء وتقتضي حكمته إرساله فباؤ بغضب على غضب فصاروا أحقاء بغضب مترادف، لأنهم كفروا بنبى الحق وبغوا عليه. وقيل كفروا بمحمد بعد عيسى. وقيل بعد قولهم: عزيز ابن الله، وقولهم: يد الله مغلولة، وغير ذلك من أنواع كفرهم بما أنزل الله مطلق فيما أنزل الله من كل كتاب قالوا نؤمن بما أنزل علينا مقيد بالتوراة ويكفرون بما وراءه أى قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة وهو الحق مصدقا لما معهم منها غير مخالف له، وفيه رد لمقالتهم لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها «1» ثم اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل الأنبياء