سوء صنيعهم.
والغرض الإيذان بأنهم من أهل الخذلان، وأنهم لا يجيء منهم إلا ما هم فيه، وأنه لا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ، ولا سبيل إلى اتعاظهم قبل ذلك، فأمر رسوله بأن يخليهم وشأنهم ولا يشتغل بما لا طائل تحته، وأن يبالغ في تخليتهم حتى يأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندما في العاقبة. وفيه إلزام للحجة ومبالغة في الإنذار وإعذار فيه. وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدى إليه طول الأمل. وهذه هجيرى أكثر الناس ليس من أخلاق المؤمنين. وعن بعضهم: التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين.
[سورة الحجر (15) : الآيات 4 الى 5]
وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5)
ولها كتاب جملة واقعة صفة لقرية، والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب. كتاب معلوم مكتوب معلوم، PageV02P570
وهو أجلها الذي كتب في اللوح وبين، ألا ترى إلى قوله ما تسبق من أمة أجلها في موضع كتابها، وأنث الأمة أولا ثم ذكرها آخرا، حملا على اللفظ والمعنى: وقال وما يستأخرون بحذف «عنه» لأنه معلوم.
[سورة الحجر (15) : آية
6]</span>
وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6)
قرأ الأعمش: يا أيها الذي ألقى عليه الذكر، «1» وكأن هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء، كما قال فرعون إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون وكيف يقرون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون. والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم مذهب واسع. وقد جاء في كتاب الله في مواضع، منها فبشرهم بعذاب أليم، إنك لأنت الحليم الرشيد وقد يوجد كثيرا في كلام العجم، والمعنى: إنك لتقول قول المجانين حين تدعى أن الله نزل عليك الذكر.