لأن الوجه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه، كالقلب في باطنه، ولذلك قال تطلع على الأفئدة وقرئ: وتغشى وجوههم، بمعنى تتغشى: أى يفعل بالمجرمين ما يفعل ليجزي الله كل نفس
مجرمة ما كسبت أو كل نفس من مجرمة ومطيعة لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم على أنه يثيب المطيعين لطاعتهم.
[سورة إبراهيم (14) : آية 52]
هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب (52)
هذا بلاغ للناس كفاية في التذكير والمواعظة، يعنى بهذا ما وصفه من قوله فلا تحسبن إلى قوله سريع الحساب. ولينذروا معطوف على محذوف، أى لينصحوا ولينذروا به بهذا البلاغ. وقرئ: ولينذروا، بفتح الياء، من نذر به إذا علمه «1» واستعد له وليعلموا أنما هو إله واحد لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به، دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد، لأن الخشية أم الخير كله.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ سورة إبراهيم أعطى من الأجر عشر حسنات بعدد كل من عبد الأصنام وعدد من لم يعبد» «2» PageV02P568
سورة الحجر
(مكية [إلا آية 87 فمدنية] وهي تسع وتسعون آية [نزلت بعد سورة يوسف] ) بسم الله الرحمن الرحيم
[سورة الحجر (15) : آية 1]
بسم الله الرحمن الرحيم
الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1)
تلك إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات. والكتاب، والقرآن المبين: السورة.
وتنكير القرآن للتفخيم. والمعنى: تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتابا وأى قرآن مبين، كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان.
[سورة الحجر (15) : الآيات 2 الى
3]</span>
ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3)
قرئ: ربما، وربتما. بالتشديد. وربما، وربما: بالضم والفتح مع التخفيف. فإن قلت: لم دخلت على المضارع وقد أبوا دخولها إلا على الماضي؟ قلت: لأن المترقب في إخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه، فكأنه قيل: ربما ود. فإن قلت: متى تكون ودادتهم؟ قلت:
عند الموت، أو يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين. وقيل: إذا رأوا المسلمين يخرجون من النار، وهذا أيضا باب من الودادة. فإن قلت: فما معنى التقليل؟ «1» قلت: هو وارد على PageV02P569
مذهب العرب في قولهم: لعلك ستندم على فعلك، وربما ندم الإنسان على ما فعل، ولا يشكون في تندمه، ولا يقصدون تقليله، ولكنهم أرادوا: لو كان الندم مشكوكا فيه أو كان قليلا لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل، لأن العقلاء يتحرزون من التعرض للغم المظنون، كما يتحرزون من المتيقن ومن القليل منه، كما من الكثير، وكذلك المعنى في الآية: لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة، فبالحرى أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه في كل ساعة لو كانوا مسلمين حكاية ودادتهم، وإنما جيء بها على لفظ الغيبة لأنهم مخبر عنهم، كقولك: حلف بالله ليفعلن. ولو قيل: حلف بالله لأفعلن، ولو كنا مسلمين، لكان حسنا سديدا. وقيل: تدهشهم أهوال ذلك اليوم فيبقون مبهوتين، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات من سكوتهم تمنوا، فلذلك قلل ذرهم يعنى اقطع طمعك من ارعوائهم، ودعهم عن النهى عما هم عليه والصد عنه بالتذكرة والنصيحة، وخلهم يأكلوا ويتمتعوا بدنياهم «1» وتنفيذ شهواتهم، ويشغلهم أملهم وتوقعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال، وأن لا يلقوا في العاقبة إلا خيرا فسوف يعلمون