للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها وأفضل عندها من الآخر. وقرأ الحسن: ويصدون، بضم الياء وكسر الصاد. يقال: صده عن كذا، وأصده. قال:
أناس اصدوا الناس بالسيف عنهم «1»
والهمزة فيه داخلة على صد صدودا، لتنقله من غير التعدى إلى التعدى. وأما صده، فموضوع على التعدية كمنعه، وليست بفصيحة كأوقفه، لأن الفصحاء استغنوا بصده ووقفه عن تكلف التعدية بالهمزة ويبغونها عوجا ويطلبون لسبيل الله زيغا واعوجاجا، وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة عن الحق غير مستوية، والأصل: ويبغون لها، فحذف الجار وأوصل الفعل في ضلال بعيد أى ضلوا عن طريق الحق، ووقفوا دونه بمراحل. فإن قلت: فما معنى وصف الضلال بالبعد. قلت: هو من الإسناد المجازى، والبعد في الحقيقة للضال، لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، كما تقول: جد جده. ويجوز أن يراد: في ضلال ذى بعد. أو فيه بعد، لأن الضال قد يضل عن الطريق مكانا قريبا وبعيدا.
[سورة إبراهيم (14) : آية
4]</span>
وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4)
إلا بلسان قومه ليبين لهم أى ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، فلا يكون لهم حجة على الله «2» PageV02P538
ولا يقولوا: لم نفهم ما خوطبنا به، كما قال ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته.
فإن قلت: لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعا قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا بل إلى الثقلين، وهم على ألسنة مختلفة، فإن لم تكن للعرب حجه فلغيرهم الحجة وإن لم تكن لغيرهم حجة فلو نزل بالعجمية، لم تكن للعرب حجة أيضا. قلت: لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل، فبقى أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول، لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر. قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأقطار المتنازحة، «1» والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة، على كتاب واحد، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد، وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكد القرائح فيه، من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل، وأسلم من التنازع والاختلاف، ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها- مع اختلافها وكثرتها، وكان مستقلا بصفة الإعجاز في كل واحد منها، وكلم الرسول العربى كل أمة بلسانها كما كلم أمته التي هو منها يتلوه عليهم معجزا- لكان ذلك أمرا قريبا من الإلجاء. ومعنى بلسان قومه بلغة قومه. وقرئ:
بلسن قومه. واللسن واللسان: كالريش والرياش، بمعنى اللغة. وقرئ: «بلسن قومه» بضم اللام والسين مضمومة أو ساكنة، وهو جمع لسان، كعماد وعمد وعمد على التخفيف. وقيل: الضمير في قومه لمحمد صلى الله عليه وسلم، ورووه عن الضحاك. وأن الكتب كلها نزلت بالعربية، ثم أداها كل نبى بلغة قومه، وليس بصحيح، لأن قوله ليبين لهم ضمير القوم وهم العرب، فيؤدى إلى أن الله أنزل التوراة من السماء بالعربية ليبين للعرب، وهذا معنى فاسد فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء كقوله فمنكم كافر ومنكم مؤمن لأن الله لا يضل إلا من يعلم أنه لن يؤمن.