[سورة هود (11) : الآيات 56 الى 57]
إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (56) فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57)
ولما ذكر توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم، وصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم، من كون كل دابة في قبضته وملكته وتحت قهره وسلطانه، والأخذ بنواصيها، تمثيل لذلك إن ربي على صراط مستقيم يريد أنه على طريق الحق والعدل في ملكه، لا يفوته ظالم، ولا يضيع عنده معتصم به فإن تولوا فإن تتولوا. فإن قلت:
الإبلاغ كان قبل التولي، فكيف وقع جزاء للشرط؟ قلت: معناه فإن تتولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ، وكنتم محجوجين بأن ما أرسالات به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول ويستخلف كلام مستأنف، يريد: ويهلككم الله ويجيء بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم ولا تضرونه بتوليكم شيئا من ضرر قط، لأنه لا يجوز عليه المضار والمنافع، وإنما تضرون أنفسكم. وفي قراءة عبد الله: ويستخلف، بالجزم.
وكذلك: ولا تضروه، عطفا على محل فقد أبلغتكم والمعنى: إن يتولوا يعذرني ويستخلف قوما غيركم ولا تضروا إلا أنفسكم على كل شيء حفيظ أى رقيب عليه مهيمن، فما تخفى
عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم. أو من كان رقيبا على الأشياء كلها حافظا لها وكانت مفتقرة إلى حفظه من المضار، لم يضر مثله مثلكم.
[سورة هود (11) : آية 58]
ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58)
والذين آمنوا معه قيل: كانوا أربعة آلاف. فإن قلت: ما معنى تكرير التنجية؟
قلت: ذكر أولا أنه حين أهلك عدوهم نجاهم ثم قال ونجيناهم من عذاب غليظ على معنى:
وكانت تلك التنجية من عذاب غليظ، وذلك أن الله عز وجل بعث عليهم السموم فكانت تدخل في أنوفهم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضوا عضوا. وقيل: أراد بالثانية التنجية من عذاب الآخرة، ولا عذاب أغلظ منه وأشد. وقوله: برحمة منا، يريد: بسبب الإيمان الذي أنعمنا عليهم بالتوفيق له.