[سورة هود (11) : الآيات 45 الى 46]
ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين (45) قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46)
نداؤه ربه: دعاؤه له، وهو قوله رب مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله.
فإن قلت: فإذا كان النداء هو قوله رب فكيف عطف فقال رب على نادى بالفاء؟
قلت: أريد بالنداء إرادة النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء، كما جاء قوله إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب بغير فاء إن ابني من أهلي أى بعض أهلى، لأنه كان ابنه من صلبه، أو كان ربيبا له فهو بعض أهله وإن وعدك الحق وأن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به، وقد وعدتني أن تنجي أهلى، فما بال ولدى؟ وأنت أحكم الحاكمين
أى أعلم الحكام وأعدلهم «1» ، لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل. ورب غريق في الجهل PageV02P398
والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة، ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر. ويجوز أن يكون من الحكمة، على أن يبنى من الحكمة حاكم بمعنى النسبة كما قيل دارع من الدرع، وحائض وطالق على مذهب الخليل إنه عمل غير صالح تعليل لانتفاء كونه من أهله. وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وأن نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد في المنصب «1» وإن كان حبشيا وكنت قرشيا لصيقك وخصيصك. ومن لم يكن على دينك- وإن كان أمس أقاربك رحما- فهو أبعد بعيد منك، وجعلت ذاته عملا غير صالح، مبالغة في ذمه، كقولها:
فإنما هى إقبال وإدبار «2»
وقيل: الضمير لنداء نوح، أى: إن نداءك هذا عمل غير صالح وليس بذاك- فإن قلت:
فهلا قيل: إنه عمل فاسد «3» ؟ قلت: لما نفاه عن أهله، نفى عنه صفتهم بكلمة النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي، وآذن بذلك أنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم، لا لأنهم أهلك وأقاربك. وإن هذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوتك، كقوله كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقرئ: عمل غير صالح أى عمل عملا غير صالح. وقرئ:
فلا تسئلن، بكسر النون بغير ياء الإضافة وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء، يعنى فلا تلتمس منى ملتمسا أو التماسا لا تعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه. وذكر المسألة PageV02P399
دليل على أن النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه. فإن قلت: لم سمى نداؤه سؤالا ولا سؤال فيه؟ قلت: قد تضمن دعاؤه معنى السؤال وإن لم يصرح به، لأنه إذا ذكر الموعد بنجاة أهله في وقت مشارفة ولده الغرق فقد استنجز. وجعل سؤال ما لا يعرف كنهه جهلا وغباوة، ووعظه أن لا يعود إليه وإلى أمثاله من أفعال الجاهلين. فإن قلت: قد وعده أن ينجى أهله، وما كان عنده «1» أن ابنه ليس منهم دينا، فلما أشفى على الغرق تشابه عليه الأمر، لأن العدة قد سبقت له وقد عرف الله حكيما لا يجوز عليه فعل القبيح وخلف الميعاد، فطلب إماطة الشبهة وطلب إماطة الشبهة واجب، فلم زجر وسمى سؤاله جهلا؟ قلت: إن الله عز وعلا قدم له الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم، فكان عليه أن يعتقد أن في جملة أهله من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح، وأن كلهم ليسوا بناجين، وأن لا تخالجه شبهة حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين لا من المستثنى منهم، فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه.