[سورة هود (11) : الآيات 28 الى
32]</span>
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (31) قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (32)
أرأيتم أخبرونى إن كنت على بينة على برهان من ربي وشاهد منه يشهد بصحة دعواي وآتاني رحمة من عنده بإيتاء البينة على أن البينة في نفسها هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة: المعجزة، وبالرحمة: النبوة. فإن قلت: فقوله فعميت ظاهر على الوجه الأول، فما وجهه على الوجه الثاني؟ وحقه أن يقال فعميتا؟ قلت: الوجه أن يقدر فعميت بعد البينة، وأن يكون حذفه للاقتصار على ذكره مرة: ومعنى عميت خفيت. وقرئ:
فعميت بمعنى أخفيت. وفي قراءة أبى: فعماها عليكم. فإن قلت: فما حقيقته؟ قلت: حقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء، لأن الأعمى لا يهتدى ولا يهدى غيره، فمعنى فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما لو عمى على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد. فإن قلت:
فما معنى قراءة أبى؟ قلت: المعنى أنهم صمموا على الإعراض عنها فخلاهم الله «1» وتصميمهم، فجعلت تلك التخلية تعمية منه، والدليل عليه قوله أنلزمكموها وأنتم لها كارهون يعنى PageV02P389
أنكرهكم على قبولها ونقسركم على الاهتداء بها، وأنتم تكرهونها ولا تختارونها، ولا إكراه في الدين؟ وقد جيء بضميري المفعولين متصلين جميعا. ويجوز أن يكون الثاني منفصلا كقولك:
أنلزمكم إياها. ونحوه فسيكفيكهم الله ويجوز: فسيكفيك إياهم. وحكى عن أبى عمرو إسكان الميم. ووجهه أن الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة، فظنها الراوي سكونا. والإسكان الصريح لحن عند الخليل وسيبويه وحذاق البصريين، لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر. والضمير في قوله لا أسئلكم عليه راجع إلى قوله لهم إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله. وقرئ: وما أنا بطارد الذين آمنوا، بالتنوين على الأصل. فإن قلت:
ما معنى قوله إنهم ملاقوا ربهم؟ قلت: معناه أنهم يلاقون الله فيعاقب من طردهم. أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت، كما ظهر لي منهم وما أعرف غيره منهم.
أو على خلاف ذلك مما تقرفونهم به «1» من بناء إيمانهم على بادىء الرأى من غير نظر وتفكر.
وما على أن أشق عن قلوبهم وأ تعرف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون.
ونحوه ولا تطرد الذين يدعون ربهم الآية. أو هم مصدقون بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة تجهلون تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل، من قوله:
ألا لا يجهلن أحد علينا «2»
أو تجهلون بلقاء ربكم. أو تجهلون أنهم خير منكم من ينصرني من الله من يمنعني من انتقامه إن طردتهم وكانوا يسألونه أن يطردهم ليؤمنوا به، أنفة من أن يكونوا معهم على سواء أعلم الغيب معطوف على عندي خزائن الله أى لا أقول عندي خزائن الله، ولا أقول: أنا أعلم الغيب. ومعناه: لا أقول لكم: عندي خزائن الله فأدعى فضلا عليكم في الغنى، حتى تجحدوا فضلى بقولكم وما نرى لكم علينا من فضل ولا أدعى علم الغيب حتى تنسبونى إلى الكذب والافتراء، أو حتى أطلع على ما في نفوس أتباعى وضمائر قلوبهم ولا أقول إني ملك حتى تقولوا لي ما أنت إلا بشر مثلنا، ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين لفقرهم أن الله لن يؤتيهم خيرا في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه، كما تقولون، مساعدة لكم ونزولا على هواكم إني إذا لمن الظالمين إن قلت شيئا من ذلك، والازدراء: افتعال من زرى عليه إذا عابه.