هذا؟ مثلا نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث: ماذا أردت بهذا جوابا.
ولمن حمل سلاحا رديا. كيف تنتفع بهذا سلاحا؟ أو على الحال، كقوله: (هذه ناقة الله لكم آية) . وقوله: يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا جاز مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين بأما، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة، وأن العلم بكونه حقا من باب الهدى الذي ازداد به المؤمنون نورا إلى نورهم، وأن الجهل بحسن مورده من باب الضلالة التي زادت الجهلة خبطا في ظلمائهم. فإن قلت: لم وصف المهديون بالكثرة- والقلة صفتهم «1» ، (وقليل من عبادي الشكور) ، (وقليل ما هم) ، الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة، وجدت الناس أخبر تقله؟ قلت: أهل الهدى كثير في أنفسهم، وحين يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال. وأيضا فإن القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة، فسموا ذهابا إلى الحقيقة كثيرا:
إن الكرام كثير في البلاد وإن ... قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا «2»
وإسناد الإضلال إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى السبب «3» : لأنه لما ضرب المثل فضل به قوم PageV01P118
واهتدى به قوم، تسبب لضلالهم وهداهم. وعن مالك بن دينار رحمه الله أنه دخل على محبوس قد أخذ بمال عليه وقيد، فقال: يا أبا يحيى، أما ترى ما نحن فيه من القيود؟ فرفع مالك رأسه فرأى سلة. فقال: لمن هذه السلة؟ فقال: لي، فأمر بها تنزل، فإذا دجاج وأخبصة، فقال مالك:
هذه وضعت القيود على رجلك. وقرأ زيد بن على: يضل به كثير. وكذلك: وما يضل به إلا الفاسقون. والفسق: الخروج عن القصد. قال رؤبة:
فواسقا عن قصدها جوائرا «1»
والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وهو النازل بين المنزلتين «2» أى بين منزلة المؤمن والكافر، وقالوا إن أول من حد له هذا الحد: أبو حذيفة واصل بن عطاء رضى الله عنه وعن أشياعه «3» . وكونه بين بين أن حكمه حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين. وهو كالكافر في الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته، وأن لا تقبل له شهادة. ومذهب مالك بن أنس والزيدية: أن الصلاة لا تجزئ خلفه. ويقال للخلفاء المردة من الكفار: الفسقة. وقد جاء الاستعمالان في كتاب الله. (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) . يريد اللمز والتنابز (إن المنافقين هم الفاسقون) .
النقض: الفسخ وفك التركيب. فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد؟
قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة، لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين. ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة: يا رسول الله، إن بيننا وبين القوم حبالا ونحن قاطعوها، فنخشى إن الله عز وجل أعزك وأظهرك أن ترجع إلى قومك»
» وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من PageV01P119
روادفه، فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه. ونحوه قولك: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس، وإذا تزوجت امرأة فاستوثرها. لم تقل هذا إلا وقد نبهت على الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر، وعلى المرأة بأنها فراش «1» والعهد: الموثق. وعهد إليه في كذا: إذا وصاه به ووثقه عليه. واستعهد منه: إذا اشترط عليه واستوثق منه: والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله: أحبار اليهود المتعنتون، أو منافقوهم، أو الكفار جميعا. فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟ قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى: (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث إليهم رسول- يصدقه الله بمعجزاته- صدقوه واتبعوه، ولم يكتموا ذكره فيما تقدمه من الكتب المنزلة عليهم، كقوله: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) . وقوله في الإنجيل لعيسى صلوات الله عليه: «سأنزل عليك كتابا فيه نبأ بنى إسرائيل، وما أريته إياهم من الآيات، وما أنعمت عليهم وما نقضوا من ميثاقهم الذي واثقوا به، وما ضيعوا من عهده إليهم» وحسن صنعه للذين قاموا بميثاق الله تعالى وأوفوا بعهده، ونصره إياهم، وكيف أنزل بأسه ونقمته بالذين غدروا ونقضوا ميثاقهم ولم يوفوا بعهده، لأن اليهود فعلوا باسم عيسى ما فعلوا باسم محمد صلى الله عليهما وسلم من التحريف والجحود وكفروا به كما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو أخذ الله العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يبغى بعضهم على بعض، ولا يقطعوا أرحامهم. وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: