فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
والحياء تغير وانكسار يعترى الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم. واشتقاقه من الحياة.
يقال: حيي الرجل، كما يقال: نسى وحشى وشظى الفرس، إذا اعتلت هذه الأعضاء «3» جعل الحي لما يعتريه من الانكسار والتغير، منتكس القوة منتقص الحياة، كما قالوا: هلك فلان حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء. وذاب حياء، وجمد في مكانه خجلا. فإن قلت: كيف جاز وصف القديم سبحانه به «4» ولا يجوز عليه التغير والخوف والذم، وذلك في حديث سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حي كريم «5» يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا» . قلت: PageV01P112
هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد وأنه لا يرد يديه صفرا من عطائه لكرمه بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه. وكذلك معنى قوله: إن الله لا يستحيي أى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيى أن يتمثل بها لحقارتها. ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: أما يستحيى رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال. وهو فن من كلامهم بديع، وطراز عجيب، منه قول أبى تمام:
من مبلغ أفناء يعرب كلها ... أنى بنيت الجار قبل المنزل؟ «1»
وشهد رجل عند شريح. فقال: إنك لسبط الشهادة. فقال الرجل: إنها لم تجعد عنى. فقال:
لله بلادك، وقبل شهادته. فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة. ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار. وسبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها. ولله در أمر التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وشعبها، لا تكاد تستغرب منها فنا إلا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسد مدارجه. وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه:
إذا ما استحين الماء يعرض نفسه ... كرعن بسبت «2» في إناء من الورد «3» PageV01P113
وقرأ ابن كثير في رواية شبل (يستحى) بياء واحدة. وفيه لغتان: التعدي بالجار والتعدي بنفسه. يقولون: استحييت منه واستحييته، وهما محتملتان هاهنا.
وضرب المثل: اعتماده وصنعه، من ضرب اللبن وضرب الخاتم. وفي الحديث «اضطرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب» «1» و (ما) هذه إبهامية «2» وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاما وزادته شياعا وعموما، كقولك: أعطنى كتابا ما، تريد أى كتاب كان. أو ضلة للتأكيد، كالتي في قوله: (فبما نقضهم ميثاقهم) كأنه قيل: لا يستحيى أن يضرب مثلا حقا أو البتة، هذا إذا نصبت بعوضة فإن رفعتها فهي موصولة، «3» صلتها PageV01P114
الجملة لأن التقدير: هو بعوضة، فحذف صدر الجملة كما حذف في: (تماما على الذي أحسن) ووجه آخر حسن جميل، وهو أن تكون التي فيها معنى الاستفهام لما استنكفوا من تمثيل الله لأصنامهم بالمحقرات قال: إن الله لا يستحي أن يضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقرة مثلا، بله البعوضة فما فوقها، كما يقال: فلان لا يبالى بما وهب ما دينار وديناران. والمعنى:
أن لله أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر منه وأقل، كما لو تمثل بالجزء الذي لا يتجزأ وبما لا يدركه «1» لتناهيه في صغره إلا هو وحده بلطفه، أو بالمعدوم، كما تقول العرب:
فلان أقل من لا شيء في العدد. ولقد ألم به قوله تعالى: (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء) وهذه القراءة تعزى إلى رؤبة بن العجاج، وهو أمضغ العرب للشيح والقيصوم، والمشهود له بالفصاحة، وكانوا يشبهون به الحسن، وما أظنه ذهب في هذه القراءة إلا إلى هذا الوجه، وهو المطابق لفصاحته. وانتصب (بعوضة) بأنها عطف بيان لمثلا. أو مفعول ليضرب، و (مثلا) حال عن النكرة مقدمة عليه. أو انتصبا مفعولين فجرى «ضرب» مجرى «جعل» . واشتقاق البعوض من البعض وهو القطع كالبضع والعضب. يقال: بعضه البعوض. وأنشد: