[سورة الأنعام (6) : الآيات 20 الى
21]</span>
الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21)
الذين آتيناهم الكتاب يعنى اليهود والنصارى يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته ونعته الثابت في الكتابين معرفة خالصة كما يعرفون أبناءهم بحلاهم ونعوتهم لا يخفون PageV02P011
عليهم ولا يلتبسون بغيرهم. وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به وبصحة نبوته. ثم قال الذين خسروا أنفسهم من المشركين ومن أهل الكتاب الجاحدين فهم لا يؤمنون به، جمعوا بين أمرين متناقضين، فكذبوا على الله بما لا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة والبرهان الصحيح، حيث قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا. وقالوا: والله أمرنا بها وقالوا: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب، وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات، وسموها سحرا، ولم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم.
[سورة الأنعام (6) : الآيات 22 الى
24]</span>
ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون (22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24)
ويوم نحشرهم ناصبه محذوف تقديره: ويوم نحشرهم كان كيت وكيت، فترك ليبقى على الإبهام الذي هو داخل في التخويف أين شركاؤكم أى آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله.
وقوله: الذين كنتم تزعمون معناه تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولان. وقرئ: يحشرهم ثم يقول، بالياء فيهما. وإنما يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ، ويجوز أن يشاهدوهم، إلا أنهم حين لا ينفعونهم ولا يكون منهم ما رجوا من الشفاعة. فكأنهم غيب عنهم، وأن يحال بينهم وبينهم في وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها، فيروا مكان خزيهم وحسرتهم فتنتهم كفرهم. والمعنى: ثم لم تكن عاقبة كفرهم «1» - الذي لزموه أعمارهم، وقاتلوا عليه وافتخروا به، وقالوا دين آبائنا- إلا جحوده والتبرؤ منه، والحلف على الانتفاء من التدين به. ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا فسمى فتنة، لأنه كذب. وقرئ: تكن، بالتاء وفتنتهم، بالنصب. وإنما أنث أن قالوا لوقوع الخبر مؤنثا، كقولك: من كانت أمك؟
وقرئ بالياء ونصب الفتنة. وبالياء والتاء مع رفع الفتنة. وقرئ: ربنا، بالنصب على النداء PageV02P012
وضل عنهم وغاب عنهم ما كانوا يفترون أى يفترون إلهيته وشفاعته. فإن قلت:
كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور وعلى أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟ قلت: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشا: ألا تراهم يقولون ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه، ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك وقد علموا أنه لا يقضى عليهم. وأما قول من يقول:
معناه: ما كنا مشركين عند أنفسنا وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا، وحمل قوله انظر كيف كذبوا على أنفسهم يعنى في الدنيا فتمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام إلى ما هو عى وإقحام، لأن المعنى الذي ذهبوا إليه ليس هذا الكلام بمترجم عنه ولا منطبق عليه، وهو ناب عنه أشد النبو. وما أدرى ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله تعالى يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون بعد قوله ويحلفون على الكذب وهم يعلمون فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا.