ولا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الاعتداء، ولا يحملنكم عليه. وقرئ: إن صدوكم، على «إن» PageV01P602
الشرطية. وفي قراءة عبد الله. إن يصدوكم. ومعنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام: منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، ومعنى الاعتداء: الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم وتعاونوا على البر والتقوى على العفو والإغضاء ولا تعاونوا على الإثم والعدوان على الانتقام والتشفي. ويجوز أن يراد العموم لكل بر وتقوى وكل إثم وعدوان، فيتناول بعمومه العفو والانتصار.
[سورة المائدة (5) : آية
3]</span>
حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3)
كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات: البهيمة التي تموت حتف أنفها، والفصيد وهو الدم في المباعر «1» ، يشوونها ويقولون: لم يحرم من فزد له وما أهل لغير الله به أى رفع الصوت به لغير الله، وهو قولهم: باسم اللات والعزى عند ذبحه والمنخنقة التي خنقوها حتى ماتت، أو انخنقت بسبب والموقوذة التي أثخنوها ضربا بعصا أو حجر حتى ماتت والمتردية التي تردت من جبل أو في بئر فماتت والنطيحة التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح وما أكل السبع بعضه إلا ما ذكيتم إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح وتشخب أوداجه. وقرأ عبد الله: والمنطوحة. وفي رواية عن أبى عمرو (السبع) بسكون الباء. وقرأ ابن عباس:
وأكيل السبع وما ذبح على النصب كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها، تسمى الأنصاب، والنصب واحد. قال الأعشى:
وذا النصب المنصوب لا تعبدنه ... لعاقبة والله ربك فاعبدا «2» PageV01P603
وقيل: هو جمع، والواحد نصاب. وقرئ (النصب) بسكون الصاد وأن تستقسموا بالأزلام وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام أى بالقداح. كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو أمرا من معاظم الأمور ضرب بالقداح، وهي مكتوب على بعضها: نهاني ربى، وعلى بعضها: أمرنى ربى، وبعضها غفل فإن خرج الآمر مضى لطيته «1» ، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أجالها عودا. فمعنى الاستقسام بالأزلام: طلب معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام. وقيل: هو الميسر. وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة ذلكم فسق الإشارة إلى الاستقسام: أو إلى تناول ما حرم عليهم لأن المعنى حرم عليكم تناول الميتة وكذا وكذا.
فإن قلت: لم كان استقسام المسافر وغيره يا لأزلام لتعرف الحال فسقا؟ قلت: لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوم وقال: (لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله) واعتقاد أن إليه طريقا وإلى استنباطه «2» ، وقوله: أمرنى ربى، ونهاني ربى: افتراء على الله. وما يدريه أنه أمره أو نهاه. والكهنة والمنجمون بهذه المثابة. وإن كان أراد بالرب الصنم- فقد روى أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم- فأمره ظاهر اليوم لم يرد به يوما بعينه، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، كقولك: كنت بالأمس شابا، وأنت اليوم أشيب، فلا تريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك، ولا باليوم يومك. ونحوه «الآن» في قوله: