[سورة النساء (4) : الآيات 173 الى 175]
فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (173) يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (175)
فإن قلت: التفصيل غير مطابق للمفصل «2» لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصل على فريق واحد. قلت: هو مثل قولك: جمع الإمام الخوارج، فمن لم يخرج عليه كساه وحمله، ومن خرج عليه نكل به، وصحة ذلك لوجهين، أحدهما: أن يحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه، PageV01P597
ولأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني، كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به والثاني، وهو أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم، فكان داخلا في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر، فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله. البرهان والنور المبين: القرآن. أو أراد بالبرهان دين الحق أو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالنور المبين: ما يبينه ويصدقه من الكتاب المعجز في رحمة منه وفضل في ثواب مستحق وتفضل ويهديهم إليه إلى عبادته صراطا مستقيما وهو طريق الإسلام. والمعنى: توفيقهم وتثبيتهم.
[سورة النساء (4) : آية 176]
يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176)
روى أنه آخر ما نزل من الأحكام «1» . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة عام حجة الوداع، فأتاه جابر بن عبد الله فقال: إن لي أختا، فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟ «2» وقيل: كان مريضا فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنى كلالة فكيف أصنع في مالى؟ «3» فنزلت إن امرؤ هلك ارتفع امرؤ بمضمر يفسره الظاهر. ومحل ليس له ولد الرفع على الصفة لا النصب على الحال. أى: إن هلك امرؤ غير ذى ولد. والمراد بالولد الابن وهو اسم مشترك يجوز إيقاعه على الذكر وعلى الأنثى لأن الابن يسقط الأخت، ولا تسقطها البنت إلا في مذهب ابن عباس، وبالأخت التي هي لأب وأم دون التي لأم، لأن الله تعالى فرض لها النصف وجعل أخاها عصبة وقال فللذكر مثل حظ الأنثيين وأما الأخت للأم فلها السدس PageV01P598
في آية المواريث مسوى بينها وبين أخيها وهو يرثها وأخوها يرثها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها إن لم يكن لها ولد أى ابن لأن الأبن يسقط الأخ دون البنت. فإن قلت: الابن لا يسقط الأخ وحده فإن الأب نظيره في الإسقاط، فلم اقتصر على نفى الولد؟ قلت:
بين حكم انتفاء الولد، ووكل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السنة، وهو قوله عليه السلام «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر» «1» والأب أولى من الأخ، وليسا بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة. ويجوز أن يدل بحكم انتفاء الولد على حكم انتفاء الوالد، لأن الولد أقرب إلى الميت من الوالد، فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب، فأولى أن يرث عند انتفاء الأبعد: ولأن الكلالة تتناول انتفاء الوالد والولد جميعا، فكان ذكر انتفاء أحدهما دالا على انتفاء الآخر. فإن قلت: إلى من يرجع ضمير التثنية والجمع «2» في قوله فإن كانتا اثنتين وإن كانوا إخوة؟ قلت: أصله: فان كان من يرث بالأخوة اثنتين، وإن كان من يرث بالأخوة ذكورا وإناثا: وإنما قيل: فان كانتا، وإن كانوا، كما قيل: من كانت أمك. فكما أنت ضمير «من» لمكان تأنيث الخبر، كذلك ثنى وجمع ضمير من يرث في كانتا وكانوا، لمكان تثنية الخبر وجمعه، والمراد بالإخوة. الإخوة لا الأخوات، تغليبا لحكم الذكورة أن تضلوا مفعول له. ومعناه: