[سورة النساء (4) : الآيات 66 الى 68]
ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68)
ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أى لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بنى إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل ما فعلوه إلا ناس قليل منهم وهذا توبيخ عظيم. والرفع على البدل من الواو في: (فعلوه) . وقرئ: إلا قليلا، بالنصب على أصل الاستثناء، أو على إلا فعلا قليلا ما يوعظون به من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته، والانقياد لما يراه ويحكم به، لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى لكان خيرا لهم في عاجلهم وآجلهم وأشد تثبيتا
لإيمانهم وأبعد من الاضطراب فيه وإذا جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت، فقيل:
وإذا لو ثبتوا لآتيناهم لأن إذا جواب وجزاء من لدنا أجرا عظيما كقوله: (ويؤت من لدنه أجرا عظيما) في أن لمراد العطاء المتفضل به من عنده وتسميته أجرا، لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته (ولهديناهم) وللطفنا بهم ووفقناهم لازدياد الخيرات.
[سورة النساء (4) : الآيات 69 الى 70]
ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (70)
الصديقون: أفاضل صحابة الأنبياء الذين تقدموا في تصديقهم كأبى بكر الصديق رضى الله PageV01P530
عنه وصدقوا في أقولهم وأفعالهم. وهذا ترغيب للمؤمنين في الطاعة، حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد الله إلى الله وأرفعهم درجات عنده وحسن أولئك رفيقا فيه معنى التعجب كأنه قيل:
وما أحسن أولئك رفيقا ولاستقلاله بمعنى التعجب. قرئ: وحسن، بسكون السين. يقول المتعجب:
حسن الوجه وجهك! وحسن الوجه وجهك! بالفتح والضم مع التسكين. والرفيق: كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه، ويجوز أن يكون مفردا، بين به الجنس في باب التمييز.
وروى أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله، فقال: يا رسول الله، ما بى من وجع غير أنى إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة، فخفت أن لا أراك هناك، لأنى عرفت أنك ترفع مع النبيين وإن أدخلت الجنة كنت في منزل دون منزلك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدا، فنزلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين «1» .» وحكى ذلك عن جماعة من الصحابة ذلك مبتدأ والفضل صفته ومن الله الخبر، ويجوز أن يكون ذلك مبتدأ، والفضل من الله خبره، والمعنى: أن ما أعطى المطيعون من الأجر «2» العظيم PageV01P531
ومرافقة المنعم عليهم من الله لأنه تفضل به عليهم تبعا لثوابهم وكفى بالله عليما بجزاء من أطاعه أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله، لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه وكفى بالله عليما بعباده فهو يوفقهم على حسب أحوالهم