[سورة آل عمران (3) : آية 155]
إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155) PageV01P429
استزلهم طلب منهم الزلل ودعاهم إليه ببعض ما كسبوا من ذنوبهم. ومعناه إن الذين انهزموا يوم أحد كان السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبا، فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا. وقيل: استزلال الشيطان إياهم هو التولي، وإنما دعاهم إليه بذنوب قد تقدمت لهم، لأن الذنب يجر إلى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفا فيها. وقال الحسن رضى الله عنه: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة. وقيل: (ببعض ما كسبوا) هو تركهم المركز الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبات فيه. فجرهم ذلك إلى الهزيمة.
وقيل: ذكرهم تلك الخطايا فكرهوا لقاء الله معها، فأخروا الجهاد حتى يصلحوا أمرهم ويجاهدوا على حال مرضية. فإن قلت: لم قيل (ببعض ما كسبوا) ؟ قلت: هو كقوله تعالى (ويعفوا عن كثير) . ولقد عفا الله عنهم لتوبتهم واعتذارهم إن الله غفور للذنوب حليم لا يعاجل بالعقوبة.
[سورة آل عمران (3) : الآيات 156 الى 158]
يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون (157) ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158)
وقالوا لإخوانهم أى لأجل إخوانهم، كقوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه) ومعنى الأخوة: اتفاق الجنس أو النسب إذا ضربوا في الأرض إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها أو كانوا غزى جمع غاز، كعاف وعفى، كقوله: عفى الحياض أجون «1» . وقرئ: بتخفيف الزاى على حذف التاء من غزاة. فإن قلت: كيف قيل:
(إذا ضربوا) مع (قالوا) ؟ قلت: هو على حكاية الحال الماضية، كقولك: حين يضربون في الأرض فإن قلت: ما متعلق ليجعل؟ قلت: قالوا، أى قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرة في قلوبهم على أن اللام مثلها في: (ليكون لهم عدوا وحزنا) . أو لا تكونوا، بمعنى: لا تكونوا مثلهم في PageV01P430
النطق بذلك القول واعتقاده، ليجعله الله حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم. فإن قلت:
ما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى؟ قلت: معناه أن الله عز وجل عند اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغم والحسرة في قلوبهم، ويضيق صدورهم عقوبة، فاعتقاده فعلهم وما يكون عنده من الغم والحسرة وضيق الصدور فعل الله عز وجل كقوله: (يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دل عليه النهى، أى لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادتهم مما يغمهم ويغيظهم والله يحيي ويميت رد لقولهم. أى الأمر بيده، قد يحيى المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد كما يشاء. وعن خالد بن الوليد رضى الله عنه أنه قال عند موته: ما فى موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وها أنا ذا أموت كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء والله بما تعملون بصير فلا تكونوا مثلهم. وقرئ بالياء، يعنى الذين كفروا لمغفرة جواب القسم، وهو ساد مسد جواب الشرط، وكذلك (لإلى الله تحشرون) كذب الكافرين أولا في زعمهم أن من سافر من إخوانهم أو غزى لو كان في المدينة لما مات، ونهى المسلمين عن ذلك لأنه سبب التقاعد عن الجهاد، ثم قال لهم: ولئن تم عليكم ما تخافونه من الهلاك بالموت والقتل في سبيل الله، فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت في سبيل الله خير مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا.