توبوا إلى أعطفهم عليكم» وهو معنى قوله عليه السلام «كما تكونوا يولى عليكم» «1» .
[سورة آل عمران (3) : آية
28]</span>
لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير (28)
نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر، وقد كرر ذلك في القرآن. (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ، (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) ، (لا تجد قوما يؤمنون بالله) ... الآية. والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان من دون المؤمنين يعنى أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ومن يوالى الكفرة فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية، يعنى أنه منسلخ من ولاية الله رأسا، وهذا أمر معقول فإن موالاة الولى وموالاة عدوه متنافيان، قال:
تود عدوى ثم تزعم أننى ... صديقك ليس النوك عنك بعازب «2»
إلا أن تتقوا منهم تقاة إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه. وقرئ: تقية. قيل للمتقى تقاة وتقية، كقولهم: ضرب الأمير لمضروبه. رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة مخالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء، وانتظار زوال المانع من قشر العصا، كقول عيسى صلوات الله عليه «كن وسطا وامش جانبا» ويحذركم الله نفسه فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه، وهذا وعيد شديد. ويجوز أن يضمن (تتقوا) معنى تحذروا وتخافوا، فيعدى بمن وينتصب (تقاة) أو تقية على المصدر، كقوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته) . PageV01P351
[سورة آل عمران (3) : آية 29]
قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير (29)
إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى الله يعلمه ولم يخف عليه وهو الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض لا يخفى عليه منه شيء قط، فلا يخفى عليه سركم وعلنكم والله على كل شيء قدير فهو قادر على عقوبتكم. وهذا بيان لقوله (ويحذركم الله نفسه) لأن نفسه وهي ذاته المميزة من سائر الذوات، متصفة بعلم ذاتى لا يختص بمعلوم دون معلوم، فهي متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور، فهي قادرة على المقدورات كلها، فكان حقها أن تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على قبيح ولا يقصر عن واجب، فإن ذلك مطلع عليه لا محالة فلا حق به العقاب، ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الاطلاع على أحواله، فوكل همه بما يورد ويصدر، ونصب عليه عيونا، وبث من يتجسس عن بواطن أموره: لأخذ حذره وتيقظ في أمره، واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به، فما بال من علم أن العالم الذات «1» الذي يعلم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن. اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك.