[سورة القلم (68) : الآيات 2 الى 3]
ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك لأجرا غير ممنون (3)
فإن قلت: بم يتعلق الباء في بنعمة ربك وما محله؟ قلت: يتعلق بمجنون منفيا «2» ، كما يتعلق بعاقل مثبتا في قولك: أنت بنعمة الله عاقل، مستويا في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد عمرا، وما ضرب زيد عمرا: تعمل الفعل مثبتا ومنفيا إعمالا واحدا، PageV04P584
ومحله النصب على الحال، كأنه قال: ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك «1» ، ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي. والمعنى، استبعاد ما كان ينسبه إليه كفار مكة عداوة وحسدا، وأنه من إنعام الله عليه بحصافة العقل «2» والشهامة التي يقتضيها التأهيل للنبوة، بمنزل وإن لك على احتمال ذلك وإساغة الغصة فيه والصبر عليه لأجرا لثوابا غير ممنون غير مقطوع كقوله عطاء غير مجذوذ أو غير ممنون عليك به «3» ، لأنه ثواب تستوجبه «4» على عملك، وليس بتفضل ابتداء، وإنما تمن الفواضل لا الأجور على الأعمال.
[سورة القلم (68) : آية 4]
وإنك لعلى خلق عظيم (4)
استعظم خلقه لفرط احتماله الممضات «5» من قومه وحسن مخالفته ومداراته لهم. وقيل: هو الخلق الذي أمره الله تعالى به في قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وعن عائشة رضى الله عنها: أن سعيد بن هشام سألها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، ألست تقرأ القرآن: قد أفلح المؤمنون «6» .
[سورة القلم (68) : الآيات 5 الى
6]</span>
فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6)
المفتون المجنون، لأنه فتن: أى محن بالجنون. أو لأن العرب يزعمون أنه من تخبيل الجن، وهم الفتان للفتاك منهم، والباء مزيدة. أو المفتون مصدر كالمعقول والمجلود، أى: بأيكم PageV04P585
الجنون. أو بأى الفريقين منكم الجنون «1» ، أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين؟ أى: في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم: وهو تعريض بأبى جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما، وهذا كقوله تعالى سيعلمون غدا من الكذاب الأشر.