دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالى معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم «2» ، وليس ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم. وقرئ: فمآتاهم الله، أى:
فمآتاهم الهلاك. والرعب: الخوف الذي يرعب الصدر، أى يملؤه، وقذفه: إثباته وركزه.
ومنه قالوا في صفة الأسد: مقذف، كأنما قذف باللحم قذفا لا كتنازه وتداخل أجزائه. وقرئ:
يخربون ويخربون، مثقلا ومخففا. والتخريب والإخراب: الإفساد بالنقض والهدم. والخرية:
الفساد، كانوا يخربون بواطنها والمسلمون ظواهرها: لما أراد الله من استئصال شأفتهم «3» وأن لا يبقى لهم بالمدينة دار ولا منهم ديار، والذي دعاهم إلى التخريب: حاجتهم إلى الخشب والحجارة PageV04P499
ليسدوا بها أفواه الأزقة. وأن لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جسد الخشب والساج المليح. وأما المؤمنون فداعيهم إزالة متحصنهم ومتمنعهم، وأن يتسع لهم مجال الحرب. فإن قلت: ما معنى تخريبهم لها بأيدى المؤمنين؟ قلت:
لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه فاعتبروا بما دبر الله ويسر من أمر إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال. وقيل: وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يورثهم الله أرضهم وأموالهم بغير قتال، فكان كما قال.
[سورة الحشر (59) : الآيات 3 الى
4]</span>
ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار (3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب (4)
يعنى: أن الله قد عزم على تطهير أرض المدينة منهم وإراحة المسلمين من جوارهم وتوريثهم أموالهم، فلولا أنه كتب عليهم الجلاء واقتضته حكمته ودعاه إلى اختياره أنه أشق عليهم من الموت لعذبهم في الدنيا بالقتل كما فعل بإخوانهم بنى قريظة ولهم سواء أجلوا أو قتلوا عذاب النار يعنى: إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة.