[سورة الدخان (44) : الآيات 28 الى 29]
كذلك وأورثناها قوما آخرين (28) فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29)
كذلك الكاف منصوبة على معنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها وأورثناها أو في موضع الرفع على الأمر كذلك قوما آخرين ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء، وهم بنو إسرائيل: كانوا متسخرين مستعبدين في أيديهم، فأهلكهم الله على أيديهم، وأورثهم ملكهم وديارهم. إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس. وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض» «2» وقال جرير:
تبكى عليك نجوم الليل والقمرا «3» PageV04P276
وقالت الخارجية:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف «1»
وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه، وكذلك ما يروى عن ابن عباس رضى الله عنهما: من بكاء مصلى المؤمن، وآثاره في الأرض، ومصاعد عمله، ومهابط رزقه في السماء: تمثيل، ونفى ذلك عنهم في قوله تعالى فما بكت عليهم السماء والأرض فيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده: فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض. وعن الحسن: فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، يعنى: فما بكى عليهم PageV04P277
أهل السماء وأهل الأرض وما كانوا منظرين لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر، ولم يمهلوا إلى الآخرة، بل عجل لهم في الدنيا.
[سورة الدخان (44) : الآيات 30 الى 31]
ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين (31)
من فرعون بدل من العذاب المهين، كأنه في نفسه كان عذابا مهينا، لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم. ويجوز أن يكون المعنى: من العذاب المهين واقعا من جهة فرعون. وقرئ من عذاب المهين. ووجهه أن يكون تقدير قوله من فرعون: من عذاب فرعون، حتى يكون المهين هو فرعون. وفي قراءة ابن عباس: من فرعون، لما وصف عذاب فرعون بالشدة والفظاعة قال: من فرعون، على معنى: هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته، ثم عرف حاله في ذلك بقوله إنه كان عاليا من المسرفين أى كبيرا رفيع الطبقة، ومن بينهم فائقا لهم، بليغا في إسرافه.
أو عاليا متكبرا، كقوله تعالى إن فرعون علا في الأرض. ومن المسرفين خبر ثان، كأنه قيل: إنه كان متكبرا مسرفا.