[سورة سبإ (34) : آية 42]
فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون (42)
الأمر في ذلك اليوم لله وحده، لا يملك فيه أحد منفعة ولا مضرة لأحد، لأن الدار دار ثواب وعقاب، والمثيب والمعاقب هو الله، فكانت حالها خلاف حال الدنيا التي هي دار تكليف، والناس فيها مخلى بينهم، يتضارون ويتنافعون. والمراد: أنه لا ضار ولا نافع يومئذ إلا هو وحده، ثم ذكر معاقبته الظالمين بقوله ونقول للذين ظلموا معطوفا على لا يملك.
[سورة سبإ (34) : آية 43]
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43)
الإشارة الأولى: إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والثانية إلى القرآن. والثالثة: إلى الحق، والحق أمر النبوة كله ودين الإسلام كما هو. وفي قوله وقال الذين كفروا وفي أن لم يقل وقالوا، وفي قوله للحق لما جاءهم وما في اللامين من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه، وفي لما من المبادهة بالكفر: دليل على صدور الكلام عن إنكار عظيم وغضب شديد، وتعجيب من أمرهم بليغ، كأنه قال: وقال أولئك الكفرة المتمردون بجراءتهم على الله ومكابرتهم لمثل ذلك الحق النير قبل أن يذوقوه إن هذا إلا سحر مبين فبتوا القضاء على أنه سحر، ثم بتوه على
أنه بين ظاهر كل عاقل تأمله سماه سحرا.
[سورة سبإ (34) : الآيات 44 الى 45]
وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (45)
وما آتيناهم كتبا يدرسونها فيها برهان على صحة الشرك، ولا أرسلنا إليهم نذيرا ينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا، كما قال عز وجل أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون أو وصفهم بأنهم قوم أميون أهل جاهلية لا ملة لهم وليس لهم عهد بإنزال كتاب ولا بعثة رسول كما قال أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون فليس لتكذيبهم وجه متشبث، ولا شبهة متعلق، كما يقول أهل الكتاب وإن كانوا مبطلين: نحن أهل كتب وشرائع، ومستندون إلى رسل من رسل الله. ثم توعدهم على تكذيبهم بقوله وكذب الذين تقدموهم من الأمم والقرون الخالية كما كذبوا، وما بلغ هؤلاء بعض ما آتينا أولئك من طول الأعمار وقوة الأجرام وكثرة الأموال، فحين كذبوا رسلهم جاءهم إنكارى بالتدمير والاستئصال، ولم يغن عنهم استظهارهم بما هم به مستظهرون، فما بال هؤلاء؟ وقرئ: يدرسونها، من التدريس وهو تكرير الدرس. أو من درس الكتاب، ودرس الكتب: ويدرسونها، بتشديد الدال: يفتعلون من الدرس. والمعشار كالمرباع، وهما: العشر، والربع. فإن قلت: ما معنى فكذبوا رسلي وهو مستغنى عنه بقوله وكذب الذين من قبلهم؟ قلت: لما كان معنى قوله وكذب الذين من قبلهم: وفعل الذين من قبلهم التكذيب، وأقدموا عليه: جعل تكذيب الرسل مسببا عنه ونظيره أن يقول القائل: أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن ينعطف على قوله: وما بلغوا، كقولك: ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فتفضل عليه فكيف كان نكير «1» أى للمكذبين الأولين، فليحذروا من مثله.