للإيذان بأنه مما خص به وأوثر، ومجيئه على لفظ النبي للدلالة على أن الاختصاص تكرمة له لأجل النبوة، وتكريره تفخيم له وتقرير لاستحقاقه الكرامة لنبوته. واستنكاحها: طلب نكاحها والرغبة فيه، وقد استشهد به أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته سواء في الأحكام إلا فيما خصه الدليل، وقال الشافعي: لا يصح، وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى الهبة ولفظها جميعا لأن اللفظ تابع للمعنى، والمدعى PageV03P550
للاشتراك في اللفظ يحتاج إلى دليل. وقال أبو الحسن الكرخي: إن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز، لقوله تعالى اللاتي آتيت أجورهن وقال أبو بكر الرازي: لا يصح، لأن الإجارة عقد مؤقت، وعقد النكاح مؤبد، فهما متنافيان خالصة مصدر مؤكد، كوعد الله، وصبغة الله، أى: خلص لك إحلال ما أحللنا لك خالصة، بمعنى خلوصا، والفاعل والفاعلة في المصادر غير عزيزين، كالخارج والقاعد، والعافية والكاذبة. والدليل على أنها وردت في أثر الإحلالات الأربع مخصوصة برسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التوكيد لها قوله: قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم بعد قوله من دون المؤمنين وهي جملة اعتراضية، وقوله لكيلا يكون عليك حرج متصل بخالصة لك من دون المؤمنين، ومعنى هذه الجملة الاعتراضية أن الله قد علم ما يجب فرضه على المؤمنين في الأزواج والإماء، وعلى أى حد وصفة يجب أن يفرض عليهم ففرضه، وعلم المصلحة في اختصاص رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اختصه به ففعل ومعنى لكيلا يكون عليك حرج لئلا يكون عليك ضيق في دينك:
حيث اختصصناك بالتنزيه واختيار ما هو أولى وأفضل، وفي دنياك: حيث أحللنا لك أجناس المنكوحات وزدنا لك الواهبة نفسها. وقرئ: خالصة، بالرفع، أى: ذاك خلوص لك وخصوص من دون المؤمنين ومن جعل خالصة نعتا للمرأة، فعلى مذهبه: هذه المرأة خالصة لك من دونهم وكان الله غفورا للواقع في الحرج إذا تاب رحيما بالتوسعة على عباده. روى أن أمهات المؤمنين حين تغايرن وابتغين زيادة النفقة وغظن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هجرهن شهرا، ونزل التخيير، فأشفقن أن يطلقهن، فقلن: يا رسول الله، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت «1» . وروى أن عائشة رضى الله عنها قالت: يا رسول الله إنى أرى ربك يسارع في هواك «2» ترجي بهمز وغير همز: تؤخر وتؤوي تضم، يعنى: تترك مضاجعة من تشاء منهن، وتضاجع من تشاء. أو تطلق من تشاء، وتمسك من تشاء. PageV03P551
أولا تقسم لأيتهن شئت، وتقسم لمن شئت. أو تترك تزوج من شئت من نساء أمتك، وتتزوج من شئت. وعن الحسن رضى الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها، وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض، لأنه إما أن يطلق، وإما أن يمسك، فإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أو لم يقسم. وإذا طلق وعزل، فإما أن يخلى المعزولة لا يبتغيها، أو يبتغيها. روى أنه أرجى منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة، فكان يقسم لهن ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه: عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب رضى الله عنهن أرجى خمسا وآوى أربعا «1» . وروى أنه كان يسوى مع ما أطلق له وخير فيه إلا سودة، فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك «2» ذلك التفويض إلى مشيئتك أدنى إلى قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعا، لأنه إذا سوى بينهن في الإيواء والإرجاء والعزل والابتغاء. وارتفع التفاضل، ولم يكن لإحداهن مما تريد ومما لا تريد إلا مثل ما للأخرى. وعلمن أن هذا التفويض من عند الله بوحيه- اطمأنت نفوسهن وذهب التنافس والتغاير، وحصل الرضا وقرت العيون، وسلت القلوب والله يعلم ما في قلوبكم فيه وعيد لمن لم ترض منهن بما دبر الله من ذلك وفوض إلى مشيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث على تواطئ قلوبهن والتصافي بينهن والتوافق على طلب رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه طيب نفسه. وقرئ: تقر أعينهن، بضم التاء ونصب الأعين. وتقر أعينهن، على البناء للمفعول وكان الله عليما بذات الصدور حليما لا يعاجل بالعقاب، فهو حقيق بأن يتقى ويحذر، كلهن تأكيد لنون يرضين، وقرأ ابن مسعود: ويرضين كلهن. بما آتيتهن. على التقديم. وقرأ: كلهن، تأكيدا ل «هن» في آتيتهن.