ويجوز أن يكون هذا معنى يطيقونه، أى يصومونه جهدهم وطاقتهم ومبلغ وسعهم فمن تطوع خيرا فزاد على مقدار الفدية فهو خير له فالتطوع أخير له أو الخير. وقرئ فمن يطوع، بمعنى يتطوع وأن تصوموا أيها المطيقون أو المطوقون وحملتم على أنفسكم وجهدتم طاقتكم خير لكم من الفدية وتطوع الخير. ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضا.
وفي قراءة أبى: والصيام خير لكم.
[سورة البقرة (2) : آية
185]</span>
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (185)
الرمضان: مصدر رمض إذا احترق- من الرمضاء- فأضيف إليه الشهر وجعل علما، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون كما قيل «ابن داية» للغراب بإضافة الابن إلى داية البعير، PageV01P226
لكثرة وقوعه عليها إذا دبرت. فإن قلت: لم سمى شهر رمضان؟ قلت: الصوم فيه عبادة قديمة، فكأنهم سموه بذلك لارتماضهم فيه من حر الجوع ومقاساة شدته، كما سموه ناتقا لأنه كان ينتقهم أى يزعجهم إضجارا بشدته عليهم. وقيل لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر. فإن قلت: فإذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعا، فما وجه ما جاء في الأحاديث من نحو قوله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا «1» » «من أدرك رمضان فلم يغفر له» «2» . قلت: هو من باب الحذف لأمن الإلباس كما قال:
بما أعيا النطاسى حذيما «3»
أراد ابن حذيم، وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره الذي أنزل فيه القرآن أو على أنه بدل من الصيام في قوله: (كتب عليكم الصيام) أو على أنه خبر مبتدإ محذوف. وقرئ بالنصب على: صوموا شهر رمضان، أو على الإبدال من (أياما معدودات) ، أو على أنه مفعول (وأن تصوموا) . ومعنى (أنزل فيه القرآن) ابتدئ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر. وقيل: أنزل جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى الأرض نجوما. وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله: (كتب عليكم الصيام) كما تقول أنزل في عمر كذا، وفي على كذا. وعن النبي عليه السلام «نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين مضين «4» » هدى للناس وبينات نصب على الحال، أى أنزل وهو هداية للناس إلى الحق، وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدى إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل. فإن قلت: ما معنى قوله: (وبينات من الهدى) بعد قوله: (هدى للناس) ؟ قلت:
ذكر أولا أنه هدى، ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به الله، وفرق به بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال فمن شهد منكم الشهر فليصمه فمن كان PageV01P227
شاهدا، أى حاضرا مقيما غير مسافر في الشهر، فليصم فيه ولا يفطر. والشهر: منصوب على الظرف وكذلك الهاء في: (فليصمه) ولا يكون مفعولا به كقولك: شهدت الجمعة، لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر يريد الله أن ييسر عليكم ولا يعسر، وقد نفى عنكم الحرج في الدين، وأمركم بالحنيفية السمحة التي لا إصر فيها، وجملة ذلك ما رخص لكم فيه من إباحة الفطر في السفر والمرض. ومن الناس من فرض الفطر على المريض والمسافر، حتى زعم أن من صام منهما فعليه الإعادة. وقرئ: اليسر، والعسر- بضمتين. الفعل المعلل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره «1» ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون شرع ذلك يعنى جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص له بمراعاة عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله: (لتكملوا) علة الأمر بمراعاة العدة (ولتكبروا) علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر (ولعلكم تشكرون) علة الترخيص والتيسير، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك لا يكاد يهتدى إلى تبينه إلا النقاب المحدث من علماء البيان. وإنما عدى فعل التكبير بحرف الاستعلاء لكونه مضمنا معنى الحمد، كأنه قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم.