بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما
الحمد لله منزل الأحكام. مفصل (¬1) الحلال والحرام. ومتعبد (¬2) كافة الأنام، بشرائع الإسلام، على لسان نبيه (¬3) محمد عليه أفضل الصلاة وأطيب السلام، وعلى أهله البررة الكرام، وصحابته القدوة الأعلام (¬4).
هذا كتاب قصد فيه إلى تعليق ما جرى في مجالس الفقيه الإمام الجليل أبي عبد الله محمد بن علي (¬5) المازري رضي الله عنه حين القراءة عليه لكتاب مسلم بن الحجاج -رحمه الله- في شهر رمضان المكرم (¬6) من (¬7) سنة PageV01P269 # تسع وتسعين وأربعمائة (¬8) منقولا ذلك (¬9) بعضه بحكاية لفظ الفقيه (¬10) الإمام أيده الله وأكثره (¬11) بمعناه.
قال الفقيه وفقه الله: كتاب مسلم هذا من أصح كتب الحديث. قال مؤلفه: انتقيته من نحو ثلثمائة ألف حديث. وقال بعض (¬12) الناس: ما تحت أديم السماء أصح منه. يريد في كتب الحديث. وكان مسلم من جملة أصحاب البخاري لما ورد (¬13) نيسابور، ولما امتحن البخاري فيها (¬14) بالمسألة المشهورة نفر عنه (¬15) أصحابه إلا مسلما فإنه لزمه وتوفي (¬16) في العشر الأواخر من رجب من سنة مائتين وإحدى وستين.
1 - (*) قال مسلم في مقدمة (¬17) كتابه: لو عزم لي (¬18) وقضي لي (¬19) بتمامه.
قال الفقيه -أيده الله-: لا يظن بمسلم أنه أراد (¬20) لو عزم الله لي PageV01P270 # عليه، لأن إرادة الله سبحانه (¬21) لا تسمى عزما. ولعله أراد سهل (¬22) لي سبيل العزم أو خلق (¬23) فى قدرة عليه.
2 - ذكر مسلم قوما مشهورين بالعدل والضبط كمالك وابن عيينة، وذكر قوما (¬24) لا يبلغون إلى رتبهم (¬25) في ذلك وإن لم يخرجوا عن كونهم عدولا مثل عطاء بن السائب ويزيد بن زياد وليث (¬26) بن أبي مسلم (ص 5) (*).
قال الفقيه الإمام -أيده الله-: إن قيل: كيف استجاز هاهنا أن يقول: فلان أعدل من فلان (¬27) مع أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في الطبيبين: "لولا غيبتهما لأعلمتكما (¬28) أيها أطب" قيل دعت (¬29) الضرورة هاهنا لذكر هذا لأنه موضع تعليم والحاجة ماسة إليه لأن العلماء إذا تعارضت (¬30) الأخبار عندهم قدموا خبر من كان أعدل وعولوا عليه وأفتوا (¬31) الناس به، ولم تدع ضرورة إلى ذكر (¬32) الأطب من ذينك الطبيبين كما دعت مسلما PageV01P271 # هنا. لاسيما وقد يجوز استرشاد الطبيب الموثوق (¬33) بعلمه المرجو النفع بمداواته وإن كان هناك أوسع منه علما بالطب ولا يجوز الأخذ برواية (¬34) الناقص في (¬35) العدالة وأن يقدم على رواية الأعدل منه. وقد أجيز التجريح (¬36) للشهود للضرورة إليه (¬37) ولم يمنع لكونه غيبة. وقال - صلى الله عليه وسلم - فيمن استشير في نكاحه: "إنه صعلوك" (¬38) وقال (¬39) في الآخر: "إنه لا يضع عصاه عن عاتقه" ولم ير ذلك غيبة لما كان مستشارا في النكاح ودعت (¬40) الضرورة إليه. وقد اعتذر صاحب الكتاب عن نفسه في ذلك بأن القصد بيان منازلهم (¬41) اتباعا (¬42) لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم -: "أنزلوا الناس منازلهم" (¬43). والذي قلناه أبسط.
3 - قال مسلم: فإن (¬44) عثر فيه (ص 5).
قال الشيخ -وفقه الله-: معناه: فإن اطلع، من قول الله تعالى: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} (¬45). يقال: عثرت (¬46) منه على خيانة، أي PageV01P272 # اطلعت. وأعثرت غيري أطلعته، قال تعالى: {وكذلك أعثرنا عليهم} (¬47) أي أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان.