(اشتراط الصوم للاعتكاف)
ومن شروط الاعتكاف ألا يكون إلا بصوم، لكنه لا يختص الصوم به لأنه - صلى الله عليه وسلم - اعتكف في رمضان. وقد استدل أصحابنا على اشتراط كونه في صوم بقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} (5). وهذا يقتضي تعلق الاعتكاف بالصوم لأن النهي عن المباشرة إنما المقصود بها (6) في الآية منع الصيام. وهذا الاستدلال يفتقر إلى مزيد نظر لسنا له الآن، لكن المعول PageV02P768
في ذلك على فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعل السلف. وهذا إذا كان الاعتكاف تطوعا، فإن نذره فلا يخلو أن ينذره معلقا بزمن [الصوم] (1) كمن نذر اعتكاف أيام من رمضان، أو أيام من صيام واجب عليه لكفارة أو لنذر، فهذا كالأول. أو ينذره مطلقا. فهل يختص بصيام (2) يكون له خصوصا؟ في المذهب قولان: أحدهما: كالأول. وإنما يتعلق النذر بالاعتكاف خاصة لا بصوم (3). لكنه لا يوقع إلا في الصوم. والثاني: اشتراط صوم يختص به. ويرى هذا أن نذر الاعتكاف يتضمن نذر الصوم، فيلزمه صوم (4).
وهذا الذي قلناه من اشتراط الصوم إنما يلزم في الاعتكاف الذي لا يقصد به الجوار. كالجوار في مكة، يلتزم البيت للنظر إليه (5) وذلك عبادة، ثم ينقلب ليلا إلى أهله، فهذا لا يلزمه (6) صوم. وكذلك إن لزم غير البيت من المساجد فقصد التحرم (7) ببيت الله تعالى ولم يقصد الاعتكاف الشرعي. فهذا أيضا لا يلزمه فيه الصوم.
وإذا لزم الصوم كما قلنا فطرأ ما يمنع منه كالحيض والمرض؛ فأما الحائض فلا شك أنها تفارق المسجد في زمان الحيض. فإن انقطع عنها الدم فاغتسلت في أثناء النهار فهل يلزمها الرجوع إلى المسجد عند انقطاع الدم والاغتسال، وإن كانت لا تصوم ذلك اليوم؟ وكذلك المريض يقدر على لزوم المسجد ولا (8) يمكنه الصوم، أو يصح في بعض اليوم (9). PageV02P769
وكذلك المعتكف في آخر رمضان يبقى عليه شيء من اعتكافه حتى يجب عليه إتمامه في شوال، هل يجلس يوم العيد في المسجد؟ في ذلك كله قولان: أحدهما: وجوب الجلوس في المسجد لأنه عبادة، فلا تسقط بسقوط عبادة أخرى وهي الصوم. والثاني: أنه لا يلزمه ملازمة المسجد لأن ذلك الزمن غير معتد به في (1) الاعتكاف، والإعتكاف (2) لا يكون إلا بصوم فتسقط الملازمة في ذلك الزمن.