كتاب الطهارة
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
الحمد لله الذي أبدع الأنام (1)، وشرع الأحكام، وأسبغ الإنعام على المتفقهين في الحلال والحرام. فصيرهم قدوة الأنام، ومصابيح الظلام. والصلاة على المبعوث لبيان شرائع الإسلام وعلى آله وصحبه [البررة الكرام] (2) المرافقين له في دار السلام (3).
وبعد، فإنه لما انتهض إلى الطلب من لم يمارس قراءة الكتاب (4)، ابتدأنا (5) لهم موعدا بقصد الإيجاز [والاختصار] (6) دون التطويل والتكرار (7)، وفيه من تحرير الدلائل وتقرير المسائل ما تشوكوا (8) إلى نقله، وضعفوا عن حمله. فرأيت أن أملي عليهم من خلاف أهل المذهب ما يحصل به PageV01P211
للجمهور الاستقلال، منبها على أوائل التوجيه والاستدلال. وسميته "كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه"، وهو كالمدخل إلى كتابي المسمى "بالأنوار البديعة في أسرار الشريعة" (1). وفي هذا الإملاء (2) لمن اقتصر عليه ما يخرجه من زمرة أهل التقليد، وفي ذلك لمن ترقى إليه ما يبلغه رتبة المبرز المجيد، ومن الله سبحانه أستمد (3) المعونة والتأييد وإياه أسال التوفيق والتسديد، إنه جل ذكره الجواد المجيد. PageV01P212
كتاب الطهارة
] (1)
أقسام الحكم
أحكام الشريعة تنحصر في ثلاثة أقسام: مطلوب فعله، ومطلوب تركه، ومأذون في فعله وتركه.
والمطلوب فعله ينقسم قسمين: مطلوب طلبا لا خيرة للمكلف في تركه وهذا هو الفرض، ومطلوب طلبا للمكلف خيرة في تركه وهذا هو المندوب.
والمطلوب تركه ينقسم قسمين: مطلوب طلبا لا خيرة للمكلف فيه وهذا هو الحرام، ومطلوب طلبا للمكلف فيه خيرة وهذا هو المكروه.
والمأذون في فعله وتركه وهو المباح. ولا تقسيم فيه.
والفرض يسمى (2) على الحقيقة واجبا ولازما وحتما، والحرام يسمى محظورا وممنوعا.
والمندوب ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما تعظم أجوره، فيسمى سنة. والثاني: ما تقل أجوره فيسمى نافلة. والثالث: ما يتوسط في الأجر بين هذين فيسمى فضيلة، ورغيبة، وقد قيل في الفرق بين هذه أن كل ما واظب PageV01P213
عليه الرسول عليه السلام على فعله مظهرا له فهو سنة بلا خلاف. وما نبه عليه وأجمله في أفعال الخير فهذا نافلة، وما واظب على فعله (1) في أكثر الأوقات وتركه في بعضها فهو فضيلة، ويسمى رغيبة (2). وما واظب على فعله غير مظهر له ففيه قولان: أحدهما: تسميته سنة (3) التفاتا إلى المواظبة، والثاني: تسميته فضيلة التفاتا إلى ترك إظهاره وهذا كركعتي الفجر.
وحدود الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح على التقريب؛ أن الواجب: ما أمرنا بذم تاركه ومدح فاعله. والحرام: عكسه. والمندوب: ما أمرنا بمدح فاعله من غير ذم تاركه. والمكروه: ما أمرنا بمدح تاركه من غير ذم فاعله. والمباح: ما أنبأنا مالك الأعيان (4) بأن فعله وتركه سيان.
وواجبات الشريعة على قسمين؛ قسم مراد لنفسه كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وقسم مراد لغيره كالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة. ولما كانت الصلاة من أشرف معالم الدين وجبت البداية بها لكنها لا تجزي إلا بالطهارة، ولا تجب الطهارة إلا بعد دخول وقت الصلاة. وقد اختلفت طرق المؤلفين في الفقه فجمهورهم على الابتداء بالطهارة لما كانت شرطا في صحة الصلاة. وابتدأ مالك في موطئه وابن المواز (5) في كتابه (6) بأوقات الصلاة. لما تعلق وجوب الطهارة بدخول الوقت، ولنجر على سنن الكتاب (7) فنقول: PageV01P214