بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبي
قال عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي رحمة الله عليه سألتني أبان الله لك الخفيات وعصمك من الشبهات وأمدك بنور من العقل يجلو عن عين بصيرتك ظلم الجهل حتى ترى بعين لبك مراتب المعقولات كما رأيت بعين جسمك مراتب المحسوسات عن معنى قول الحكماء إن ترتيب الموجودات عن السبب الأول يحكي دائرة وهمية تبدأ من نقطة وترجع إليها ومرجعها في صورة الإنسان
وعن قولهم إن الإنسان تبلغ ذاته بعد مماته إلى حيث يبلغ علمه في حياته وإن علمه يحكي أيضا دائرة وهمية
وعن قولهم إن في قوة العقل الجزئي أن يتصور بصورة العقل الكلي
وعن قولهم إن العدد دائرة وهمية كدائرة الآحاد والعشرات ودائرة المئات ودائرة الألوف
وعن قولهم إن صفات الباري تعالى لا يصح أن يوصف بها إلا عن طريق السلب
وعن قولهم إن البارئ تعالى لا يعرف إلا نفسه
وما البرهان على بقاء النفس الناطقة بعد الموت
وهذه أعزك الله مطالب ضيقة المسالك وكثيرا ما تفضي بسالكها إلى المهالك وسأقول فيها بما انتهى اليه علمي وأحاط به فهمي
وبالله أعتصم من الخطأ والزلل وإياه أسأل التوفيق إلى الصواب من القول والعمل لا رب غيره
الباب الأول في شرح قولهم إن ترتيب الموجودات عن السبب الأول يحكي دائرة وهمية مرجعها إلى مبدئها في صورة الإنسان
أقول وبالله أعتصم مخبرا عن أغراضهم ومقاصدهم وإن كنت استعملت على جهة التقريب ألفاظا غير ألفاظهم إن البارئ تعالى وهو الذي يسمونه السبب الأول والعلة الأولى وعلة العلل لما كان هو الذي أفاض الموجودات وأعطى كل موجود منها قسطه من الوجود ولم 0 يجز في الحكمة أن تكون كلها في مرتبة واحدة صار بعضها أرفع من بعض وبعضها أحط من بعض وصار وجود أقربها مرتبة منه وساطة لوجود أبعدها فلا يوجد أبعدها منه إلا بوجود أقربها منه وتوسطه
ولست أريد بذكر القرب والبعد إثبات مكان لأن البارئ
عز وجل لا يوصف بالمكان ولا بالزمان وكذلك كل معقول لا مادة له وإنما أريد بذكر القرب والبعد مراتبها في الوجود
وأقرب ما يمثل به وجود الموجودات عنه تعالى وجود الأعداد عن الواحد وإن كان البارئ تعالى لا يجوز أن يشبه بشيء وكذلك صفاته وأفعاله ولكنه على جهة التقريب فكما أن الثلاثة لا توجد عن الواحد إلا بتوسط وجود الاثنين كذلك الأربعة لا توجد إلا بتوسط وجود الثلاثة والاثنين ولا توجد الخمسة إلا بتوسط وجود الأربعة والثلاثة والاثنين وكذلك سائر الأعداد
ولهذا صار وجود كل واحد علة لوجود ما بعده مع كون الواحد علة لوجود جميعها إذ كان لا يصح وجود الأبعد إلا بوساطة وجود الأقرب فكذلك يمثل بالتقريب وجود الموجودات عن البارئ تعالى لا على الحقيقة
ومعلوم أن الشيء لا يشبه بغيره من جميع جهاته إنما يشبه به في بعض معانيه وصفاته فلما كان وجود الموجودات عنه تعالى على هذه
الصفة كان كمال كل موجود على قدر مرتبته منه في الوجود فكان أكملها وجودا وأقلها نقصا الموجود الذي هو في مرتبة الاثنين تمثيلا وتقريبا لما قدمناه من العدد في ذلك ثم الثالث أنقص من الثاني ثم الرابع أنقص من الثالث وهكذا لم تزل الموجودات تنقص مرتبة مرتبة على قدر بعدها من المرتبة الأولى حتى انتهت إلى أنقصها مرتبة الذي لا أنقص منه إذ كانت مراتب الموجودات متناهية وكان إثبات مالا نهاية له بالفعل من المحال وإنما يصح إثباته بالقوة والإمكان ثم تنعكس الموجودات متصاعدة من أدناها مرتبة إلى أعلاها إلى أن تنتهي إلى أكمل المراتب التي جعل لها بالطبع أن تبلغها وتسلك في تصاعدها المسلك الذي سلكته في تسافلها أعني أنها لا تصعد إلى المرتبة الثانية إلى بعد الأولى ولا الرابعة إلا بعد الثالثة