وفي حديث آخر، أنه قال، في بدنات له، حين وجبت جنوبها: " من شاء فليقتطع " فأباح في هذين الحديثين للناس، الذين يحل لهم الهدي أن يأخذوا منها ما شاؤوا من غير مقدار، ولا قسم معلوم.
وبالله تعالى التوفيق. PageV02P1317
6 - بين نية الصدقة وتبتيلها
[6]- بين نية الصدقة وتبتيلها
وأما السؤال السادس فهو في رجل أخرج مالا يصدقه، فعزل منه شيئا سماه بلسانه، وميزه لمسكين بعينه، ثم بعد ذلك بدا له، فصرفه لمسكين آخر.
هل يباح له ذلك، لتمييزه إياه للمسكين بقوله، بخلاف مسألة من أخرج لمسكين كسرة، فلم يجده، فإن ذلك لم يعطها للمسكين، بقول ولا فعل، وفي مسألتنا قد أعطاها بالقول، ووجب طلبها للمساكين، وتميزت له عنده، فلا يجوز له صرفها إلى غيره؟
وهل صار قوله: " هذا لفلان "، وقد أخرج المال مخرج الصدقة، كقوله: " تصدقت بهذا على فلان؟ " وهل يستوي في هذا ما أخرج الإنسان، على هذا الوجه، من ماله، أو ما ميزه لمعين مما يجري من صدقة غيره على يديه، إذ ظهر لي بين الوجهين فرق، كما ظهر لي بين المسألتين الأوليين فرق، للعلة التي أشرت إليها، من معنى العطية والصدقة، وهي مخصوصة بما يملك؟
الجواب: عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
وإن كان هذا الرجل، الذي عزل من المال، الذي أخرجه للصدقة، شيئا منه، لمسكين بعينه، سماه له، نوى أن يعطيه له، ولم يبتله له، بقول، ولا نية، فيكره له أن يصرفه إلى غيره، وإن كان بتلة له بقول أو نية، فلا يجوز له أن يصرفه، وهو ضامن له إن فعل. PageV02P1318
354 - من طنجة: حول الفتوى، والاجتهاد
وكذلك ما جعل إليه تنفيذه مما أخرجه غيره للصدقة سواء.
ومثله في المعنى الذي يأمر للسائل بشيء، أو يخرج إليه به، فلا يجده، يكره له أن يصرفه إلى ماله، ولا يحرم ذلك عليه، إن كان إنما نوى أن يعطيه إياه، ولم يبتله بقول ولا نية.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[354]- من طنجة: حول الفتوى، والاجتهاد
وكتب إليه، رضي الله عنه، بعض نبهاء طلبة العلم من طنجة، كلأها الله يسأله عن شأن الفتوى، والمفتي، والقاضي الملتزم لمذهب مالك، في ذي القعدة سنة تسع عشرة وخمس مائة.
ونص السؤال. من أوله إلى آخر حرف فيه.
بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على محمد، وعلى آله، وسلم يسليما.
أيها الإمام الأجل، والقدوة التي يقتدى بها، من إليه العقد والحل، وصل الله لك ما منحك، من التأييد، بالتأييد، وأكد ما وهبك، من التسديد، بالتجويد، وجمل ما ألحفك من أرديته، بالبعد عن مؤذية صديق الإنصاف ومرديته.
واجب على من أهمته في يقينه مهمة، وألمت به في دينه ملمة، أن يتوخى أقرب الخلق في اعتقاده إلى الحق، فيسأله سؤال تمجيد PageV02P1319 # وتوقير، بغاية ما عنده من بحث وتنقير، ليبرأ فيما عليه من عهدة التكليف، ويقوم، في، الحنيفية، بالمقام الشريف.
وقد عرضت لنا مسائل مشكلة، مثكلة، لم نجد إلا مصباحك لاندفاع ظلم إشكالها، ولم نعتقد إلا رياحك لانقشاع ضرم إثكالها، ورغبنا إليك - أحسن الله ذكراك - أن تتصفح ما رسمنا منها، وتسمع بالجواب عليها، أنت إلى الذخر الكريم، والأجر العميم، أهدى، ورغبتك في الثواب أنفع لديك من رغبتنا إليك، وأجدى، ولا زلت موفقا، معانا، بقدرة الله ومنته تعالى.
رسالة، مع السؤال، من المقريء بطنجة أحمد المري