والصحيح في الرواية، الذي به يستقيم تأوي الحديث، على ما يصح أن يحمل عليه: " ماله أهجر؟ " بصيغة الاستفهام، والمراد به التقرير، بمعنى النفي، لأن الأولى تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى، وإن كان لا نقيصة فيه. PageV02P927
والمعنى عندي في ذلك، والله أعلم، وأحكم أن النبي عليه السلام، لما اشتد به وجعه، الذي توفي منه، فقال، ائتوني بكتف أكتب لكم فيه كتابا لا تضلون بعده؛ اختلف أصحابه الحاضرون في ذلك، لما رأوه من شدة ما كان به من الوجع؛ فمنهم من رأى ذلك وأراده، وحرص عليه، ومنهم من لم يره، تخفيفا عن النبي عليه السلام، لشدة ما كان به من الوجع، وقال: عندنا كتاب الله حسبنا، على ما جاء في حديث ابن العباس، من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس، قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجعه، قال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا، لا تضلون بعده، قال عمر: إن النبي، عليه السلام، غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله عز وجل، حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين محمد عليه السلام، وبين كتابه.
فيحتمل أن يكون تكلم النبي، صلى الله عليه وسلم، في خلال تلك المنازعة التي وقعت بينهم بكلام خفي لم يفهموه عنه، لغلبة الوجع عليه، فمنهم من لم ير أن يراجع فيه، ولا أن يستفهم عنه، إرادة التخفيف عنه، ومنهم من أراد أن يستفهم عنه، فكثر في ذلك بينهم اللغط المذكور في الحديث، وكان من جملة هذا اللغظ قول هذا القائل منهم: " ماله PageV02P928
243 - هبة علج لفداء أسيرين بدار الحرب
أهجر؟ استفهموه لله " يريد: ماله، فيما يظنون، أهجر؟ أي: أهو ممن يظن به الهجر من المرض، فيمتنع من استفهامه عما لم يفهم من كلامه؟ بل لا يظن به ذلك، فاستفهموه.
فهذا معنى ما وقع من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس، من قول القائل، " ماله أهجر؟ استفهموه لله " يريد: ماله، فيما يظنون، أهجر؟ أي: أهو ممن يظن به الهجر من المرض، فيمتنع من استفهامه عما لم يفهم من كلامه؟ بل لا يظن به ذلك، فاستفهموه.
فهذا معنى ما وقع من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس، من قول القائل، " ماله أهجر، استفهموه "، فلما سمع النبي عليه السلام، ذلك من تنازعهم، وكثر لغطهم، كره ذلك منهم، ووقال: " دعوني، فالذي أنا فيه " يريد. والله أعلم، من مناجاة من كان يناجيه من الملائكة " خير مما تدعوني إليه "، على ما جاء في الحديث.
فهذا جواب ما سألت عنه، مشروحا مبينا.
وبالله تعالى التوفيق لا رب غيره.
[243]- هبة علج لفداء أسيرين بدار الحرب:
وخوطب، رضي الله عنه، من بعض بلاد الأندلس، يسأل عن رجل، وهب غلاما نصرانيا ليفتك به رجلان مسلمان، معينا، من دار الحرب، دمرها الله.
ونص السؤال: الجواب رضي الله عنك، في رجلين أسرا بدار الحرب، خربها الله، فوهب رجل من المسلمين غلاما ليفتك به الرجلان كلاهما، فانتدب ولي أحدهما للشخوص به، وبعث ولي الثاني معه رجلا، وتحاصصا مؤونة الإنفاق عليه، حتى وصلا إلى موضع الفتش عليهما، والاستقصاء عليهما، ففحصا عنهما، واجتهدا في طلبهما، في مدة من عامين وأربعة أشهر، فوجد ولي الأسير أسيره، ولم يوجد الآخر، ولا PageV02P929 # سمع به، ولا علم له مستقر، ولا تيقن له موت ولا حياة، ففك، بالعبد، الأسير الموجود، ثم قدم، فطالبه ولي الأسير الثاني بنصف العبد، الموهوب بهما.