229 - مياه آبار الصحراء عندما تتغير بما يلازمها
فهذا تحصيل القول في هذه المسألة.
وبالله التوفيق لا شريك له.
[229]- مياه آبار الصحراء عندما تتغير بما يلازمها
قال الفقيه القاضي أبو الوليد ابن رشد رضي الله عنه:
سئلت، منذ مدة، عن آبار الصحارى، التي تدعو الضرورة إلى طيها بالخشب والعشب، لعدم ما تطوى به سوى ذلك؛ فيتغير لون الماء، ورائحته وطعمه من ذلك، هل يجوز الغسل، والوضوء به أم لا؟
فأجبت: بأن ذلك جائز. فسئلت سنة خمس عشرة وخمس مائة الدليل على صحة ما أوجبت به من ذلك، لمخالفة من خالف فيه.
ما يصح أن يسمى ماء مطلقا
فقلت: الدليل على صحة ما قلته في ذلك: أن الاصل في المياه الطهارة والتطهير؛ لقول الله عز وجل: {وأنزلناه من السماء ماء طهورا}
{سورة الفرقان رقم: 48}
، وقال عز وجل: {وينزل عليكم من السماء ماء، ليطهركم به}
{سورة المائدة: رقم 6}
، وقوله عز وجل: {وأنزلنامن السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض}.
{سورة المؤمنون رقم: 18}
فمياه الأرض كلها: العيون والآبار، والأنهار، من السماء، أنزلها الله إلى الأرض، وأسكنها فيها، تطهيرا لعباده، ورحمة لهم، فوجب ألا PageV02P866 # ينتقل في الحدث الأكبر ولا الأصغر، عن الطهارة بالماء إلى التيمم الا / عند عدم المياه المذكورة، لقول الله عز وجل: {فلم تجدوا ماء، فتيمموا صعيدا طيبا}، لأن الماء، إذا أطلق، باطلاقه على كل ماء من هذه المياه، صافيا كان أو متغيرا، مثل أن يتغير أحد أوصافه وهي اللون والطعم، أو الرائحة، لركوده أو لحماة تكون عليه، أو لطحلب يتولد فيه وما أشبه ذلك؛ لأن تغييره من هذه الأشياء لا يمنعه من وقوع اسم الماء عليه باطلاقه، تسمية مقتضية له، على ما هو عليه من تغييره، فوجب ألا يكون لذلك تأثير في منعه من التطهير.
وكذلك إذا تغير ماء بئر من آبار الصحارى من الخشب والعشب الذي طويت بهما للضرورة إلى ذلك؛ اذ لا فرق بين ذلك في المعنى، لاستوائهما في العلة، وهي عدم الانفكاك من السبب المغير للماء الراكد لا يخلو في الغالب من حماة أو طحلب يغيره، كما أن هذه الآبار التي في الصحاري، لا تخلو من العشب، اذ لا يستغنى في احتفارها عنه.
بخلاف ما تغيرت أوصافه من المياه، بما انضاف اليه من الاطعمة والمائعات من الأشربة كالخبز والفول، أو الحمص أو ما أشبه ذلك ينقع فيه، حتى يتغير من ذلك أو كالعسل، أو الرب، أو ماء الورد، أو ماء الريحان، وما أشبه ذلك، يضاف اليه، فيتغير من ذلك جميع أوصافه، أو بعضها، لأن الماء إذا تغير أحد أوصافه، بشىء من هذا، فقد خرج عن حد الماء المطلق، الذي دل كتاب الله، عز وجل، على PageV02P867 # جواز الغسل والوضوء به، اذ لا يكفى في تسميته باطلاق اسم الماء عليه، دون أن يوصف بأنه ماء الخبز أو ماء الفول، أو ماء الحمص، أو ماء مضاف بعسل، أو برب، أو بماء ورد، أو ببول بعير، أو شاة وما أشبه ذلك.
فلما لم يصح أن يكفي في الإخبار عن شىء من هذه المياه، على ما هي عليه، باطلاق اسم الماء عليه، دون بيان ما تغير به من هذه الأشياء وجب ألا يجوز الغسل ولا الوضوء به، كما لا يجوز بماء الورد، وماء الريحان، وما أشبه ذلك، اذ ليس بماء مطلق.
تنظير بالبر والحنث
ومما يدل دليلا ظاهرا على انه لا فرق بين الماء المتغير من الخشب والعشب، اللذين تطوى بهما آبار الصحارى وبين الماء المتغير من ركوده، أو الحمأة، أو الطحلب المتولدين فيه: