[*** المجلد الأول ***]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، {لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون}، وصلواته على خير من ابتعثه للرسالة، وعلى آله وأصحابه، وعلى كافة أهل السنة والجماعة.
أما بعد:
فإن الله تعالى خلق الخلق لعبادته، فقال عز من قائل: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون}.
وأول من ابتعثه آدم أبو البشر عليه السلام، فقال: {إني جاعل في الأرض خليفة}؛ ليدل الناس على هداهم، ويدعوهم إلى اتباع ما جاءهم به من عند مولاهم، وكذلك كل من جعلهم خلائف، وأعطاهم المعارف، ابتعثهم من بعده على سمته ليتبعوه، وينتهوا إلى ما بلغوه، قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه}.
ثم أثنى على من ثبت على المنهاج، وتنكب سبيل الزيغ PageV01P003 والاعوجاج، فقال: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما. إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} إلى قوله: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما}.
في غيرها من الآيات التي تدعو أهل الملل إلى متابعة ما قد جاءهم من ربهم على ألسنة السفراء من الأنبياء والرسل، وإن أول ما يتوجه من الله على عبيده أن يلقوا إليه مقاليد الإذعان في الإقرار به والإيمان، قال الله تعالى: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت}.
وروى البراء بن عازب رضي الله عنه قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله! أقاتل ثم أسلم، أو أسلم ثم أقاتل؟ فقال: ((بل أسلم، ثم قاتل)).
وكل من وافقنا على كلمة التقوى أولا اضطره وفاقه إلى أن يلتزم ما أتاه من شريعة الله عز وجل بسفارة الرسول دون ما ترتئيه النفس، ويقضي به الهوى بموجب الآية البالغة.
وإذا قيل له الآن مثلا: ما الطريق إلى وقوع العلم بما جاء به نبينا إلينا من ربنا -عز وجل-: صلى الله عليه وسلم؟ لم يجد محيصا على حال من أن يقول: طريق ذلك البلاغ والسمع؛ فإن الله تعالى شهد لنبينا صلى الله عليه وسلم أنه ختم به النبيين، ولا يجد بدا من أن يقول: دعينا حتما إلى اتباعه، وإن تطاول مضي الدهور والأزمان، إذ أقر أن دينه آخر الأديان، ولم ينته PageV01P004 الأمر به في الرسالة إلى غاية، ولم يمتد إلى نهاية.
وإذا قيل له: ما الطريق الذي يتوصل به إلى معرفة ما دلهم عليه؟ لم يكد يتفصى عن أن يقول: طريق ذلك ضبط الدين بوراث علوم الأنبياء من العلماء، الذين هم بسمة العدالة متصفون، قال الله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.
ونحن نعاين ذلك كما أن الحفظ من الله قائم مقامه، كذلك ضبط العدول الصادقين ثابت من الذين رفع الله بهم أعلامه، فرشح للدين من يذبون عنه، ويحمونه، ويقومون بضبطه، ويحيونه، ويفصلون -بقيامهم به حق القيام- بين صدق الصادق والكذب الزائغ المنافق، فيوطدون للصدق أركانه، ويهدمون للكذب بنيانه.
وإن قلت: ما هم إلا الفرقة المتسمية بالفقهاء؛ فلعمرك إنهم لمنهم، لكن أمام ذلك درجة لم يبلغوها، وهي المعرفة الحاصلة لحاملي الآثار بالصحيح والمعتل من الأخبار، وليس يمكنهم أن ينكروها، فإنه ما لم يثبت صدق الحديث وصحته لم تتجه [تقاسيم] الشعب، وإنما تتجه تقاسيم الفروع بثبات الأصل المسموع.