بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم إنا نحمدك على ما علمت من البيان. وألهمت من التبيان. كما نحمدك على ما أسبغت من العطاء. وأسبلت من الغطاء. ونعوذ بك من شرة اللسن. وفضول الهذر. كما نعوذ بك من معرة اللكن. وفضوح الحصر. ونستكفي بك الافتتان بإطراء المادح. وإغضاء المسامح. كما نستكفي بك الانتصاب لإزراء القادح. وهتك الفاضح. ونستغفرك من سوق الشهوات. الى سوق الشبهات. كما نستغفرك من نقل الخطوات.
الى خطط الخطيئات. ونستوهب منك توفيقا قائدا الى الرشد. وقلبا متقلبا مع الحق. ولسانا متحليا بالصدق. ونطقا مؤيدا بالحجة. وإصابة ذائدة عن الزيغ. وعزيمة قاهرة هوى النفس. وبصيرة ندرك بها عرفان القدر. وأن تسعدنا بالهداية. الى الدراية. وتعضدنا بالإعانة. على الإبانة. وتعصمنا من الغواية. في الرواية. وتصرفنا عن السفاهة. في الفكاهة. حتى تأمن حصائد الألسنة. ونكفى غوائل الزخرفة. فلا نرد مورد مأثمة. ولا نقف موقف مندمة. ولا نرهق بتبعة ولا معتبة. ولا نلجأ الى معذرة عن بادرة. اللهم فحقق لنا هذه المنية. وأنلنا هذه البغية. ولا تضحنا عن ظلك السابغ.
ولا تجعلنا مضغة للماضغ. فقد مددنا إليك يد المسألة. وبخعنا بالاستكانة لك والمسكنة. واستنزلنا كرمك الجم. وفضلك الذي عم. بضراعة الطلب. وبضاعة الأمل. بالتوسل بمحمد سيد البشر. والشفيع المشفع في المحشر. الذي ختمت به النبيين. وأعليت درجته في عليين. ووصفته في كتابك المبين. فقلت وأنت أصدق القائلين: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. اللهم فصل عليه وعلى آله الهادين. وأصحابه الذين شادوا الدين. واجعلنا لهديه وهديهم متبعين. وانفعنا بمحبته ومحبتهم أجمعين. إنك على كل شيء قدير. وبالإجابة جدير. وبعد فإنه قد جرى ببعض أندية الأدب الذي ركدت في هذا العصر ريحه. وخبت مصابيحه. ذكر
المقامات التي ابتدعها بديع الزمان. وعلامة همذان. رحمه الله تعالى. وعزا الى أبي الفتح الإسكندري نشأتها. والى عيسى بن هشام روايتها. وكلاهما مجهول لا يعرف. ونكرة لا تتعرف! فأشار من إشارته حكم. وطاعته غنم. الى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع. وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع. فذاكرته بما قيل فيمن ألف بين كلمتين. ونظم بيتا أو بيتين. واستقلت من هذا المقام الذي فيه يحار الفهم. ويفرط الوهم. ويسبر غور العقل. وتتبين فيمة المرء في الفضل. ويضطر صاحبه الى أن يكون كحاطب ليل.
أو جالب رجل وخيل. وقلما سلم مكثار. أو أقيل له عثار. فلما لم يسعف بالإقالة. ولا أعفى من المقالة. لبيت دعوته تلبية المطيع. وبذلت في مطاوعته جهد المستطيع. وأنشأت على ما أعانيه من قريحة جامدة. وفطنة خامدة. وروية ناضبة. وهموم ناصبة. خمسين مقامة تحتوي على جد القول وهزله. ورقيق اللفظ وجزله. وغرر البين ودرره. وملح الأدب ونوادره. الى ما وشحتها به من الآيات. ومحاسن الكنايات. ورصعته فيها من الأمثال العربية. واللطائف الأدبية. والأحاجي النحوية. والفتاوى اللغوية. والرسائل المبتكرة. والخطب المحبرة. والمواعظ المبكية. والأضاحيك الملهية. مما أمليت جميعه على لسان أبي زيد السروجي. وأسندت روايته الى
الحارث بن همام البصري. وما قصدت بالإحماض فيه. إلا تنشيط قارئيه. وتكثير سواد طالبيه. ولم أودعه من الأشعار الأجنبية إلا بيتين