فصل
في القطائع
وللإمام أن يقطع الموات لمن شاء من المسلمين على وجه المصلحة والإرفاق لمن يرى إرفاقه مصلحة للإسلام. فهذا إقطاع إملاك، وله أن يقطع إقطاع {85/ ب} إرفاق، وذلك أن يأذن لبعض السوقة في البيع في بقعة من الطريق معينة.
فلا يملك غيره أن يسبق إليها بعد إقطاع الإمام، وكذلك رحاب المساجد، ولا يملك ذلك بحيث يبيعه ويهبه بخلاف إقطاع الأحياء، لأن ذلك يملك.
فإن سبق إليه غيره كان له أن يقيمه بعد إن لم يكن له ذلك قبل إقطاع الإمام.
وأما ما يطلب منفعته من الأراضي، كالمعادن الظاهرة، والباطنة، فالظاهرة كالقار، والنفط، والملح. والباطنة كالذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، ويكون السابق إلى المشرعة أحق بالمقام فيها ما دام يأخذ، فإذا فرغ وجب عليه الخروج ليتقدم غيره، كما نقول في مشارع الأنهار. PageV01P173
كتاب الوصية
قال سبحانه: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} (¬1) {86/ أ} وقال سبحانه: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (9)} (¬2).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم". (¬3)
اعلم أن الوصية عقد جائز يملك الرجوع فيه، ولا تلزم إلا بشرطين: الموت، وقبول الموصى له بعد موت الموصي، فمتى مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية.
وإن مات الموصي فلم يقبل الموصى له كانت للورثة.
ولا يملك أن يوصي بزيادة على ثلث ماله، فإن وصى وقفت الوصية على إجازة ورثته، فإن أجازوا لزمت، وإن لم يجيزوا رد إلى الثلث، فإن أجاز بضعهم ولم يجز البعض لزم من أجاز بقدر حصته ولم يلزم من لم يجز.
والأمراض التي تعتبر عطاياه من ثلثه فيها كل مرض {86/ ب} مخوف غير متطاول، الحادة الدرب، والحمايات، فأما الصداع، ووجع الضرس فلا يكون حكمه حكم ما قدمنا، وكذلك إن كان مخوفا لكن صاحبه ليس بصاحب فراش، لكن يمشي ويتصرف، كالمشلول، والمجذوم، وما شاكل ذلك فلا يثبت PageV01P174 # له حكم مرض الموت فيما قدمنا من الأحكام.
والأحوال المخوفة التي ليست أمراضا تجري مجرى الأمراض، مثل كون الإنسان في مركب بلجة البحر، وقد أشرفوا على الهلاك، وكون الإنسان بين صفي الحرب، وقد خاف على نفسه القتل، وما شاكل ذلك، وكذلك الحامل في شهور ولادتها، أو مقاربة ولادتها كالمريض مرض الموت.
والوقت الذي تصح فيه إجازة الورثة بعد الموت، فإن أجازوا قبل {87/ أ} الموت لم يصح، لأنه إسقاط للحق قبل وجوبه، كما إذا أسقط الشفيع الشفعة قبل الشراء، فإنها لا تسقط كذلك ها هنا.
والاعتبار بالوصية بحال الموت لا بحال الإيصاء، فعلى هذا لو أوصى لأخيه وله زوجة وأخ، فلم يمت الموصي حتى ولدت زوجته ابنا صحت الوصية اعتبارا بحين الموت، وهو حال الموت غير وارث.
وكذلك لو أوصى لأخيه وله ابن فمات ابنه قبل موته بطلت الوصية لأخيه، لأنه حين الموت وارث.
وإذا أوصى لأهل قرية كان ذلك للمسلمين من أهلها إلا أن يذكر من فيها من الكفار.
وإذا أوصى بسهم من ماله كان ذلك سدس المال في أصح الروايتين (¬1) والآخرى: يكون له سهم مما تصح منه الفريضة.
وإذا أوصى بمثل نصيب أحد ورثته كان له مثل ما لأقلهم {87/ ب} مثاله: خلف زوجة وبنتا وبنت ابن كان لمن أوصى له مثل ميراث الزوجة. PageV01P175