بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وحده وبه العون والعصمة
قال الشيخ الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي رحمه الله:
أما بعد، إن سائلا سأل عن السماع بسائر أنواعه، وأحب أن أبين ذلك م
فصل
ا مرتبا، بذكر الأدلة، وإقامة الشواهد:
الجواب وبالله التوفيق.
اعلم أن الله عز وجل بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالحنيفية السمحة إلى الكافة يدعوهم إلى الإيمان بوحدانيته. والتصديق لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وأمره أن يعلمهم ما جهلوه، ويحذرهم قبيح ما ارتكبوه، فقال عز وجل " الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم " الآية.
بيان ذلك من الأثر، ما حدثنا أبو علي الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن الشافعي بمكة / قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن إبراهيم بن فراس / قال: حدثنا أبو جعفر محمد ابن إبراهيم بن الفضل الريبلي قال: حدثنا أبو عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال: حدثنا سفيان ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان الحبش
يأتون فيلعبون بحراب لهم، فكنت أنظر إليهم من بين أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاتقه حتى أكون أنا الذي أنصرف عنهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يلعب بنو أرفدة أو كما قال: ليعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة. هذا حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الحميد ويحيى بن أبي زائدة ومحمد بن بشر عن هشام بن عروة، ولفظهم جاء حبش يزفنون في المسجد.
فبلغ - صلى الله عليه وسلم - الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وسن شرع. وأمر ونهي كما أمر - صلى الله عليه وسلم -، فليس لأحد / بعده وبعد الخلفاء الراشدين الذين أمر - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء بهم، والاتباع لسنتهم أن يحرم ما أحله الله عز وجل ورسوله - صلى الله عليه وسلم - إلا بدليل ناطق من آية محكمة، أو سنة ماضية صحيحة أو إجماع عن الأمة على مقالته، فأما الاستدلال بالموضوعات والغرائب والأفراد من رواية الكذبة والمجروحين الذين لا يقوم بروايتهم حجة، وبأقاويل من فسر القرآن على حسب مراده ورأيه، فحاشا وكلا أن يرجع إلى قولهم. ويسلك طريقهم؛ إذ لو جاز ذلك لم يكن قول أحد من الناس أولى من قول غيره. وإنما يلتزم قول من أيد بالوحي والتنزيل، وعصم من التغيير والتبديل: قال الله عز وجل: " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " فعلمنا أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بأمر
ولم ينه عن أمر، إلا بوحي من الله عز وجل، ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - إذا سئل عن أمر توقف حتى يأتيه الوحي / وليست هذه المنزلة لغيره، فيلزم قبول قوله.
حدثنا أبو بكر أحمد بن علي بن خلف بنيسابور قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت أبا بكر محمد بن اسحق بن خزيمة يقول: ليس لأحد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول إذا صح الخبر عنه، سمعت أبا هشام محمد بن يزيد الرفاعي يقول: سمعت يحيى بن آدم يقول: لا يحتاج مع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قول أحد، وإنما كان يؤثر سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ليعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات وهو عليها، حدثنا أبو القاسم إسماعيل بن مسعدة بجرجان قال: حدثنا حمزة بن يوسف الحافظ قال: حدثنا أبو أحمد عبد الله بن عدي قال: حدثنا الحسن بن اسحق الخولاني قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى / قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي الأصل: قرآن أو سنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصح الإسناد فيه فهو سنة، والإجماع أكبر من خبر المنفرد والحديث على ظاهره، وإذا احتمل الحديث معاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به، فإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادا أولاها، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب، وقال عبد الله بن عباس: هي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكتاب الله عز وجل، فمن قال