PageV01P001
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، حمدا يكافيء نعمه، ويمتري مزيد فضله، ويوجب مواد إحسانه، وصلى الله على محمد عبده ونبيه ورسوله، وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين، صلاة كما هو أهله، وعلى آله وصالحي أمته، سلام الله ورحمته وبركاته، ونسأل الله عونا على الخير كله، وتوفيقا إلى رضوانه، وأن يعصمنا من الزلل والخطأ فيما نرويه ونأثره من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار أصحابه، وأن يختم لنا سعادة نستحق بها اللحوق بالصالحين من عبادة برحمته وفضله اللذين وسعا كل شيء، إنه أهل ذلك ووليه.
أما بعد:
فإنا كنا ذكرنا في آخر كتابنا المؤلف في جمع ما حضرنا من الأخبار في "دلائل النبوة" أن أحدا ما يؤكد الاستدلال به على صحة نبوة الأنبياء اعتدال شمائلهم، وطهارة أخلاقهم، ودوام جريهم في سيرهم ومذاهبهم في أسباب الدين والدنيا على طريقة محمودة تدل ذواتهم عليها، على أنهم أمدوا في ذلك بقوة PageV01P059 سماوية، لخروجهم - فيما يشاهدون عليه من لزوم هذه الطريقة - عما جبل عليه البشر من تلون الأخلاق، ودخول ما يمتد استعمالهم للمحمود منها في باب التكلف الذي لا يكاد يدوم، ولا يعرى صاحبه والآخذ نفسه به من تغير يلحقه.
ووعدنا إفراد كتاب يشتمل على ما يحضرنا من شمائل نبينا عليه السلام، بعد أن لم نخل "كتاب الدلائل" من أن ختمناه بخبرين في صفات النبي صلى الله عليه وسلم، وجملة من شمائله وأخلاقه، أحدهما: خبر هند بن أبي هالة، والثاني: خبر روي عن عائشة، ليكون "كتاب الدلائل" منتظما لأسبابها، وجامعا ما يحل محل الأصول والتوابع منها.
وقد عزمنا على كتب هذا الكتاب في الشمائل، ورأينا أن نقدم قبل ذكرها أخبارا في نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وتاريخ مولده، ومبعثه، ومبلغ سنة أيام حياته، وفي صفة ما يحل محل الحلية من بدنه، إذ كان من تقدمنا سلكوا في تأليف الأخبار في الشمائل هذه الطريقة، فتبركنا باتباعهم رحمهم الله، ونحن نسأل الله التوفيق لإتمام ما شرعنا به، وأن ينفعنا والناظرين فيه بما رزقنا من العلم بحوده وسعة فضله.
وكان وقع إلينا هذا الخبر الذي ذكرناه عن عائشة من رواية أبي بكر بن أبي خيثمة، عن شيخ له سماه صبيح بن عبد الله الفرغاني، رواه هذا الشيخ عن عبد العزيز بن عبد المطلب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، PageV01P060 وفي الخبر تفسير ما ذكر من اللغات مختلطا أحدهما بالآخر، [فاشتبه] الوجه علينا في اختلاط هذا التفسير بالحديث، وغلب على القلب أنه من عند جعفر بن محمد، إذ كان وافر الحظ في العلوم والمعارف كلها، فكتبناه في "كتاب الدلائل" على الاختلاط الذي ذكرناه، وكنا لا نشك في أن أبا بكر بن [أبي] خيثمة في محله من الدين والثقة في الرواية لم يرو هذا الخبر إلا من حيث يجوز لمثله روايته وإيداعه كتابه، إذ كان هذا الخبر مثبتا له في كتاب "التاريخ"، فتتبعنا الحقيقة، فرأينا في رواية بعض ثقات المشايخ لهذا الحديث عنه وأنه قال في صبيح بن عبد الله: "مأمون ثقة"، وقال في عبد العزيز بن عبد الصمد: "إنه شيخ لقيه صبيح هذا في طريق مكة".
ثم وقع إلينا كتاب في صفة النبي عليه السلام وسيره وأخلاقه منسوب إلى أبي البختري القاضي، وهو وهب بن وهب القرشي، ألف هذا PageV01P061 الكتاب وصدره بهذا الخبر الذي ذكرناه عن عائشة، وساق الأخبار فيما سوى هذا الخبر على طول كتابه من غير ذكر الأسانيد.