في حد القياس وصورته، وقسمته، وبيان معنى العلة والدلالة
ال
مقدمة
المرسومة قبل الأركان الخمس
فلابد من ذكر
مقدمة
في حد القياس وصورته، [وبيان معنى العلة والدلالة]، وبيان قسمته، والتنبيه على مجاري النظر فيه.
أما حده، فقد اختلفت فيه الصيغ والعبارات. ولسنا للتطويل في هذا الكتاب، فيما لا يتعلق به كبير فائدة.
والعبارة المعرفة للمقصد المطلوب، أن يقال: «القياس: عبارة عن إثبات حكم الأصل في الفرع، لاشتراكهما في علة الحكم». PageV01P018
فهذا القدر كاف في البيان.
وإن أردت عبارة محترزة عن الاعتراضات -[التي تهدف الحدود لأمثالها في عبارة المتكلمين وأرباب الصناعات] في الحدود -قلت: هو: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم أو نفيه، بالاشتراك في صفة أو انتفاء صفة، أو حكم أو انتفاء حكم. فهذا أحوى لجميع أقسام الكلام، وأحصر لجملة الأطراف.
وفي الأول غنية عنه: فإنه مفيد للبيان الذي نبغيه، وهو بيان قياس المعنى، إذ هو المشتمل على بيان علة الحكم.
فإن أردت أن تضم إليه قياس الشبه والطرد -عدلت إلى العبارة الأخرى: فإن جميع ذلك على شكل القياس وإن كان ينقسم إلى صحيح وفاسد، فإن الفاسد أيضا قياس.
وعلى الجملة [أيضا] لابد من التسوية بين الشيئين: لتتحقق صورة القياس، فإن مشتق من قول العرب: قاس الشيء بالشيء، إذا حذا به حذوه وسواه عليه، يقال: قاس النعل بالنعل، إذا سواه عليه. PageV01P019
الفرق بين القياس والعلة، والدلالة والعلة
فإن قيل: فهل من فرق بين القياس والعلة؟
قلنا: نعم؛ فإن العلة في تصورها لا تستدعي أصلا وفرعا، ولكن إذا ذكرت السبب المؤثر في الحكم، فقد ذكرت [علة الحكم].
والعلة [في الأصل]: عبارة عما يتأثر المحل بوجوده، ولذلك سمي المرض: علة.
وهي في اصطلاح الفقهاء على هذا المذاق.
نعم: قد يسمى القياس علة، لأنه يشتمل على علة الحكم، وهي الركن الأعظم من مقصود القياس، كما يسمى القياس: نظرا واجتهادا ودليلا واعتلالا؛ لأنه يستدرك بالنظر والاجتهاد، ويدل على الحكم، ويشتمل على ذكر العلة: فيسمى اعتلالا.
وتسمية العلة بمجردها قياسا، لا وجه له. وإن تسامح بعض الفقهاء بإطلاقه، فذلك لتقسيمهم المسائل -في عرفهم - إلى الخبرية والقياسية؛ فما لا يتعلق منه بالخبر تسمى قياسية: لأن الغالب في المسائل التي ليس خبرية، فيعنون بكونه قياسا: أنه ليس خبريا.
فإن قيل: فهي من فرق بين الدلالة والعلة؟
قلنا: نعم؛ فكل علة يجوز أن تسمى دلالة، لأنها تدل على الحكم، فالمؤثر أبدا يدل على الأثر. ولا تسمى كل دلالة علة، لأن الدلالة [قد] يعبر بها عن الأمارة التي توجب: فلا تؤثر، فالغيم PageV01P020 # الركم دليل على المطر وعلته أيضا، لأنه يؤثر فيه. والكوكب دليل على القبلة، وليس علة فيها. فما للدلالة حظ في الإيجاب.
والعلة موجبة؛ أما العقلية فبذاتها، وأما الشرعية فبجعل الشرع إياها [علة] موجبة، على معنى إضافة الوجوب إليها، كإضافة وجوب القطع إلى السرقة، وإن كنا نعلم أنه إنما يجب بإيجاب الله تعالى؛ ولكن ينبغي أن نفهم الإيجاب كما ورد به الشرع، وقد ورد بأن السرقة توجب القطع، والزنا يوجب الرجم. ففي هذا تفترق الدلالة والعلة.
وسنتقصى [وجوه] الدلالات -التي ليست من قبيل الأقيسة، ولا من قبيل العلل -في الباب الثاني [إن شاء الله تعالى]. PageV01P021