الأصل الرابع
أن الله تعالى متفضل بالخلق والاختراع ومتطول بتكليف العباد ولم يكن الخلق والتكليف واجبا عليه
وقالت المعتزلة
وجب عليه ذلك لما فيه من مصلحة العباد وهو محال إذ هو الموجب والآمر
والناهي وكيف يتهدف لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب
والمراد بالواجب أحد أمرين إما الفعل الذي في تركه ضرر إما آجل كما يقال يجب على العبد أن يطيع الله حتى لا يعذبه في الآخرة بالنار
أو ضرر عاجل كما يقال يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت
وإما أن يراد به الذي يؤدي عدمه إلى محال كما يقال
وجود المعلوم واجب إذ عدمه يؤدي إلى محال وهو أن يصير العلم جهلا
فإن أراد الخصم بأن الخلق واجب على الله بالمعنى الأول فقد عرضه للضرر وإن أراد به المعنى الثاني فهو مسلم إذ بعد سبق العلم لا بد من وجود المعلوم وإن أراد به معنى ثالثا فهو غير مفهوم
وقوله يجب لمصلحة عباده كلام فاسد فإنه إذا لم يتضرر بترك مصلحة العباد لم يكن للوجوب في حقه معنى
ثم إن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة فأما أن يخلقهم في دار البلايا ويعرضهم للخطايا ثم يهدنهم لخطر العقاب وهو العرض والحساب فما في ذلك غبطة عند ذوي الألباب
الأصل الخامس
أنه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه خلافا للمعتزلة ولو يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه وقد سألوا ذلك فقالوا
{ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}
ولأن الله تعالى أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن أبا جهل لا يصدقه ثم أمره بأن يأمره بأن يصدقه في جميع أقواله وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه فكيف في أنه لا يصدقه
وهل هذا إلا محال وجوده
الأصل السادس
أن لله عز وجل إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق ومن غير ثواب لاحق خلافا للمعتزلة لأنه متصرف في ملكه ولا يتصور أن يعدو تصرفه ملكه والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو محال على الله تعالى فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما
ويدل على ذلك وجوده فإن ذبح البهائم إيلام لها وما صب عليها من أنواع العذاب من جهة الآدميين لم يتقدمها جريمة
فإن قيل إن الله تعالى يحشرها ويجازيها على قدر ما قاسته من الآلام ويجب ذلك على الله سبحانه
فنقول من زعم أنه يجب على الله إحياء كل نملة وطئت وكل بقة عركت حتى يثيبها على آلامها فقد خرج عن الشرع والعقل إذ يقال
وصف الثواب والحشر بكونه واجبا عليه إن كان المراد به إنه يتضرر بتركه فهو محال وإن أريد به غيره فقد سبق أنه غير مفهوم إذا خرج عن المعاني المذكورة للواجب