عليه حكم العدوان إن أراد به أنه إنما نهي عنه مع النهي عن ضده فهو محال، والعصيان عبارة عن ارتكاب منهي قد نهي عنه، فإن لم يكن نهي لم يكن عصيان فكيف يفرض النهي عن شيء وعن ضده أيضا؟ ومن جوز تكليف ما لا يطاق عقلا فإنه يمنعه شرعا، لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] . فإن قيل: فإن رجحتم جانب الخروج لتقليل الضرر، فما قولكم فيمن سقط على صدر صبي محفوف بصبيان وقد علم أنه لو مكث قتل من تحته أو انتقل قتل من حواليه ولا ترجيح فكيف السبيل؟ قلنا: يحتمل أن يقال: امكث، فإن الانتقال فعل مستأنف لا يصح إلا من حي قادر، وأما ترك الحركة فلا يحتاج إلى استعمال قدرة.
ويحتمل أن يقال: يتخير، إذ لا ترجيح. ويحتمل أن يقال: لا حكم لله تعالى فيه فيفعل ما يشاء؛ لأن الحكم لا يثبت إلا بنص أو قياس على منصوص، ولا نص في هذه المسألة ولا نظير لها في المنصوصات حتى يقاس عليه، فبقي على ما كان قبل ورود الشرع، ولا يبعد خلو واقعة عن الحكم فكل هذا محتمل، وأما تكليف المحال فمحال.
[مسألة في المقتضى بالتكليف]
مسألة اختلفوا في المقتضى بالتكليف اختلفوا في المقتضى بالتكليف
والذي عليه أكثر المتكلمين أن المقتضى به الإقدام أو الكف وكل واحد كسب العبد، فالأمر بالصوم أمر بالكف والكف فعل يثاب عليه، والمقتضى بالنهي عن الزنا والشرب التلبس بضد من أضداده وهو الترك فيكون مثابا على الترك الذي هو فعله وقال بعض المعتزلة: قد يقتضي الكف فيكون فعلا، وقد يقتضي أن لا يفعل ولا يقصد التلبس بضده. فأنكر الأولون هذا وقالوا: المنتهي بالنهي مثاب ولا يثاب إلا على شيء، وأن لا يفعل عدم وليس بشيء ولا تتعلق به قدرة، إذ القدرة تتعلق بشيء، فلا يصح الإعدام بالقدرة، وإذا لم يصدر منه شيء فكيف يثاب على لا شيء؟ والصحيح أن الأمر فيه منقسم، أما الصوم فالكف فيه مقصود ولذلك تشترط فيه النية، وأما الزنا والشرب فقد نهي عن فعلهما فيعاقب فاعلهما، ومن لم يصدر منه ذلك فلا يعاقب ولا يثاب إلا إذا قصد كف الشهوة عنهما مع التمكن فهو مثاب على فعله، وأما من لم يصدر منه النهي عن فعله فلا يعاقب عليه ولا يثاب؛ لأنه لم يصدر منه شيء؛ ولا يبعد أن يكون مقصود الشرع أن لا تصدر منه الفواحش، ولا يقصد منه التلبس بأضدادها.