أحدها في كون القبح وصفا ذاتيا.
والثاني في قولكم إن ذلك مما يعلمه العقلاء بالضرورة.
والثالث: في ظنكم أن العقلاء لو اتفقوا عليه لكان ذلك حجة مقطوعا بها ودليلا على كونه ضروريا. أما الأول وهو دعوى كونه وصفا ذاتيا فهو تحكم بما لا يعقل، فإن القتل عندهم قبيح لذاته بشرط أن لا تسبقه جناية ولا يعقبه عوض حتى جاز إيلام البهائم وذبحها ولم يقبح من الله تعالى ذلك؛ لأنه يثيبها عليه في الآخرة.
والقتل في ذاته له حقيقة واحدة لا تختلف بأن تتقدمه جناية أو تتعقبه لذة إلا من حيث الإضافة إلى الفوائد والأغراض، وكذلك الكذب كيف يكون قبحه ذاتيا ولو كان فيه عصمة دم نبي بإخفاء مكانه عن ظالم يقصد قتله لكان حسنا بل واجبا يعصى بتركه؟ والوصف الذاتي كيف يتبدل بالإضافة إلى الأحوال؟ وأما الثاني وهو كونه مدركا بالضرورة، وكيف يتصور ذلك ونحن ننازعكم فيه والضروري لا ينازع فيه خلق كثير من العقلاء وقولكم إنكم مضطرون إلى المعرفة وموافقون عليه ولكنكم تظنون أن مستند معرفتكم السمع كما ظن الكعبي أن مستند علمه بخبر التواتر النظر، ولا يبعد التباس مدرك العلم وإنما يبعد الخلاف في نفس المعرفة ولا خلاف فيها؛ قلنا: هذا كلام فاسد؛ لأنا نقول يحسن من الله تعالى إيلام البهائم ولا نعتقد لها جريمة ولا ثوابا فدل أنا ننازعكم في نفس العلم.
وأما الثالث فهو أنا لو سلمنا اتفاق العقلاء على هذا أيضا لم تكن فيه حجة، إذ لم يسلم كونهم مضطرين إليه بل
يجوز أن يقع الاتفاق منهم على ما ليس بضروري فقد اتفق الناس على إثبات الصانع وجواز بعثة الرسل ولم يخالف إلا الشواذ، فلو اتفق أن ساعدهم الشواذ لم يكن ذلك ضروريا، فكذلك اتفاق الناس على هذا الاعتقاد يمكن أن يكون بعضه عن دليل السمع الدال على قبح هذه الأشياء وبعضه عن تقليد مفهوم من الآخذين عن السمع وبعضه عن الشبهة التي وقعت لأهل الضلال، فالتئام الاتفاق من هذه الأسباب لا يدل على كونه ضروريا فلا يدل على كونه حجة لولا منع السمع عن تجويز الخطأ على كافة هذه الأمة خاصة إذ لا يبعد اجتماع الكافة على الخطأ عن تقليد وعن شبهة، وكيف وفي الملحدة من لا يعتقد قبح هذه الأشياء ولا حسن نقائضها، فكيف يدعى اتفاق العقلاء؟ احتجوا بأنا نعلم قطعا أن من استوى عنده الصدق والكذب آثر الصدق ومال إليه إن كان عاقلا وليس ذلك إلا لحسنه، وإن الملك العظيم المستولي على الأقاليم إذا رأى ضعيفا مشرفا على الهلاك يميل إلى إنقاذه وإن كان لا يعتقد أصل الدين لينتظر ثوابا ولا ينتظر منه أيضا مجازاة وشكرا، ولا يوافق ذلك أيضا غرضه بل ربما يتعب به بل يحكم العقلاء بحسن الصبر على السيف إذا أكره على كلمة الكفر أو على إفشاء السر ونقض العهد وهو على خلاف غرض المكره وعلى الجملة استحسان مكارم الأخلاق وإفاضة النعم مما لا ينكره عاقل إلا عن عناد.
والجواب أنا لا ننكر اشتهار هذه القضايا بين الخلق وكونها محمودة مشهورة، ولكن مستندها إما التدين بالشرائع وإما الأغراض؛ ونحن إنما ننكر هذا في حق الله تعالى لانتفاء الأغراض عنه، فأما إطلاق الناس هذه الألفاظ فيما يدور بينهم فيستمر من الأغراض ولكن قد تدق الأغراض وتخفى فلا ينتبه لها إلا المحققون؛ ونحن ننبه على مثارات الغلط فيه وهي ثلاث مثارات يغلط الوهم فيها