والدليل عليه أنه إذا كان يمكن أن يقال: كل مسألة ليس لله تعالى فيها حكم معين أو يصوب فيها كل مجتهد فلا يجب على المجتهد فيها النظر بل يتخير فيفعل ما شاء، إذ ما من جانب إلا ويجوز أن يغلب على ظن مجتهد، والإجماع منعقد على أنه يلزمه أولا تحصيل الظن ثم يتبع ما ظنه؛ فكذلك ظن العامي ينبغي أن يؤثر.
فإن قيل: المجتهد لا يجوز له أن يتبع ظنه قبل أن يتعلم طرق الاستدلال، والعامي يحكم بالوهم ويغتر بالظواهر وربما يقدم المفضول على الفاضل، فإن جاز أن يحكم بغير بصيرة فلينظر في نفس المسألة وليحكم بما يظنه فلمعرفة مراتب الفضل أدلة غامضة ليس دركها من شأن العوام.
وهذا سؤال واقع، ولكنا نقول: من مرض له طفل وهو ليس بطبيب فسقاه دواء برأيه كان متعديا مقصرا ضامنا، ولو راجع طبيبا لم يكن مقصرا؛ فإن كان في البلد طبيبان فاختلفا في الدواء فخالف الأفضل عد مقصرا، ويعلم فضل الطبيبين بتواتر الأخبار وبإذعان المفضول له وبتقديمه بأمارات تفيد غلبة الظن، فكذلك في حق العلماء يعلم الأفضل بالتسامع وبالقرائن دون البحث عن نفس العلم، والعامي أهل له فلا ينبغي أن يخالف الظن بالتشهي. فهذا هو الأصح عندنا والأليق بالمعنى الكلي في ضبط الخلق بلجام التقوى والتكليف والله أعلم.
[الفن الثالث في الترجيح وكيفية تصرف المجتهد عند تعارض الأدلة]
[المقدمة الأولى في بيان ترتيب الأدلة]
الفن الثالث من القطب الرابع
في الترجيح وكيفية تصرف المجتهد عند تعارض الأدلة ويشتمل هذا الفن على مقدمات ثلاث وبابين
أما المقدمة الأولى ففي بيان ترتيب الأدلة.
فنقول: يجب على المجتهد في كل مسألة أن يرد نظره إلى النفي الأصلي قبل ورود الشرع ثم يبحث عن الأدلة السمعية المغيرة فينظر أول شيء في الإجماع فإن وجد في المسألة إجماعا ترك النظر في الكتاب والسنة
فإنهما يقبلان النسخ، والإجماع يقبله، فالإجماع على خلاف ما في الكتاب والسنة دليل قاطع على النسخ إذ لا تجتمع الأمة على الخطإ. ثم ينظر في الكتاب والسنة المتواترة على رتبة واحدة؛ لأن كل واحد يفيد العلم القاطع ولا يتصور التعارض في القطعيات السمعية إلا بأن يكون أحدهما ناسخا، فما وجد فيه نص كتاب أو سنة متواترة أخذ به، وينظر بعد ذلك إلى عمومات الكتاب وظواهره، ثم ينظر في مخصصات العموم من أخبار الآحاد ومن الأقيسة فإن عارض قياس عموما أو خبر واحد عموما فقد ذكرنا ما يجب تقديمه منها، فإن لم يجد لفظا نصا ولا ظاهرا نظر إلى قياس النصوص، فإن تعارض قياسان أو خبران أو عمومان طلب الترجيح كما سنذكره، فإن تساويا عنده توقف على رأي وتخير على رأي آخر كما سبق.