[مسألة في وجوب الاجتهاد على المجتهد وتحريم التقليد عليه]
وقد اتفقوا على أنه إذا فرغ من الاجتهاد وغلب على ظنه حكم فلا يجوز له أن يقلد مخالفه ويعمل بنظر غيره ويترك نظر نفسه، أما إذا لم يجتهد بعد ولم ينظر فإن كان عاجزا عن الاجتهاد كالعامي فله التقليد، وهذا ليس مجتهدا لكن ربما يكون متمكنا من الاجتهاد في بعض الأمور وعاجزا عن البعض إلا بتحصيل علم على سبيل الابتداء، كعلم النحو مثلا في مسألة نحوية وعلم صفات الرجال وأحوالهم في مسألة خبرية وقع النظر فيها في صحة الإسناد؛ فهذا من حيث حصل بعض العلوم واستقل بها لا يشبه العامي، ومن حيث إنه لم يحصل هذا العلم فهو كالعامي، فيلحق بالعامي أو بالعالم؟ فيه نظر.
والأشهر والأشبه أنه كالعامي، وإنما المجتهد هو الذي صارت العلوم عنده بالقوة القريبة، أما إذا احتاج إلى تعب كثير في التعليم بعد فهو في ذلك الفن عاجز، وكما يمكنه تحصيله فالعامي أيضا يمكنه التعلم ولا يلزمه بل يجوز له ترك الاجتهاد. وعلى الجملة بين درجة المبتدئ في العلم وبين رتبة الكمال منازل واقعة بين
طرفين، وللنظر فيها مجال، وإنما كلامنا الآن في المجتهد.
لو بحث عن مسألة ونظر في الأدلة لاستقل بها ولا يفتقر إلى تعلم علم من غيره فهذا هو المجتهد، فهل يجب عليه الاجتهاد أم يجوز له أن يقلد غيره؟ هذا مما اختلفوا فيه، فذهب قوم إلى أن الإجماع قد حصل على أن من وراء الصحابة لا يجوز تقليدهم وقال قوم: من وراء الصحابة والتابعين وكيف يصح دعوى الإجماع؟ وممن قال بتقليد العالم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري وقال محمد بن الحسن: يقلد العالم الأعلم ولا يقلد من هو دونه أو مثله
وذهب الأكثرون من أهل العراق إلى جواز تقليد العالم العالم فيما يفتي وفيما يخصه. وقال قوم: يجوز فيما يخصه دون ما يفتي وخصص قوم من جملة ما يخصه ما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد واختار القاضي منع تقليد العالم للصحابة ولمن بعدهم، وهو الأظهر عندنا والمسألة ظنية اجتهادية.
والذي يدل عليه أن تقليد من لا تثبت عصمته ولا يعلم بالحقيقة إصابته بل يجوز خطؤه وتلبيسه حكم شرعي لا يثبت إلا بنص أو قياس على منصوص ولا نص ولا منصوص إلا العامي والمجتهد، إذ للمجتهد أن يأخذ بنظر نفسه وإن لم يتحقق وللعامي أن يأخذ بقوله؛ أما المجتهد إنما يجوز له الحكم بظنه لعجزه عن العلم فالضرورة دعت إليه في كل مسألة ليس فيها دليل قاطع.
أما العامي فإنما جوز له تقليد غيره للعجز عن تحصيل العلم والظن بنفسه، والمجتهد غير عاجز فلا يكون في معنى العاجز فينبغي أن يطلب الحق بنفسه فإنه يجوز الخطأ على العالم بوضع الاجتهاد في غير محله والمبادرة قبل استتمام الاجتهاد والغفلة عن دليل قاطع وهو قادر على معرفة جميع ذلك ليتوصل في بعضها إلى اليقين وفي بعضها إلى الظن، فكيف ينبني الأمر على عماية كالعميان وهو بصير بنفسه؟ وهو ليس يقدر إلا على تحصيل ظن وظن غيره كظنه لا سيما عندكم وقد صوبتم كل مجتهد.
قلنا: مع هذا إذا حصل ظنه لم يجز له اتباع ظن غيره فكان ظنه أصلا وظن غيره بدلا، يدل عليه أنه لم يجز العدول إليه مع وجود المبدل فلا يجوز مع القدرة على المبدل كما في سائر الأبدال والمبدلات إلا إن ورد نص بالتخيير فترتفع البدلية أو يرد نص بأنه بدل عند الوجود لا عند العدم، كبنت مخاض وابن لبون في خمس وعشرين من الإبل، فإن وجوب بنت مخاض يمنع من قبول ابن لبون والقدرة على شرائه لا تمنع منه.