فإذا تناقض حكم الشائبتين، ولا يمكن إخلاء الواقعة عن أحد الحكمين، وظهر دليل على غلبة إحدى الشائبتين ولم يظهر معنى مناسب في الطرفين فينبغي أن يحكم بالأغلب الأشبه.
وهذا أشبه هذه الأقسام الثلاثة بمأخذ الشبه، فإنا نظن أن العبد ممنوع من الشهادة لسر فيه مصلحة وممكن من اليمين لمصلحة، وأشكل الأمر في اللعان وبان أن إحدى الشائبتين أغلب فيكون الأغلب على ظننا بقاء تلك المصلحة المودعة تحت المعنى الأغلب.
فإن قيل: وبم يعلم المعنى الأغلب المعين؟ قلنا: تارة بالبحث عن حقيقة الذات، وتارة بالأحكام وكثرتها، أو تارة بقوة بعض الأحكام وخاصيته في الدلالة؛ وهو مجال نظر المجتهدين، وإنما يتولى بيانه الفقيه دون الأصولي.
والغرض أنه إذا سلم أن أحد المناطين أغلب وجب الاعتراف بالحكم بموجبه؛ لأنه إما أن يخلي عن أحد الحكمين المتناقضين وهو محال أو يحكم بالمغلوب أو بالغالب فيتعين الحكم بالغالب، فكيف يلحق هذا بالشبه المشكل المختلف فيه؟ نعم لو دار الفرع بين أصلين وأشبه أحدهما وصف ليس مناطا وأشبه الآخر في وصفين ليسا مناطين، فهذا من قبيل الحكم بالشبه والإلحاق بالأشبه، والأمر فيه إلى المجتهد، فإن غلب على ظنه أن المشاركة في الوصفين توهم المشاركة في المصلحة المجهولة عنده التي هي مناط الحكم عند الله تعالى، وكان ذلك أغلب في نفسه من مشاركة الأصل الآخر الذي لم يشبهه إلا في صفة واحدة فحكم هنا بظنه فهذا من قبيل الحكم بالشبه، أما كل وصف ظهر كونه مناطا للحكم فاتباعه من قبيل، قياس العلة لا من قبيل قياس الشبه.
هذا ما أردنا ذكره في قياس الشبه وكان القول فيه من تتمة الباب الثاني؛ لأنه نظر في طريق إثبات علة الأصل، لكنا أفردناه بباب لكي لا يطول الكلام في الباب الأول. وإذ فرغنا من طريق إثبات العلل فلا بد من بيان أركان القياس وشروطه بعد ذلك