فإن قيل: فإذا اخترتم أن النهي لا يدل على الصحة، ولا على الفساد في أسباب المعاملات فما قولكم في النهي عن العبادات؟ قلنا: قد بينا أن النهي يضاد كون المنهي عنه قربة، وطاعة؛ لأن الطاعة عبارة عما يوافق الأمر، والأمر، والنهي متضادان، فعلى هذا صوم يوم النحر لا يكون منعقدا إن أريد بانعقاده كونه طاعة وقربة، وامتثالا؛ لأن النهي يضاده، وإذا لم يكن قربة لم يلزم بالنذر إذ لا يلزم بالنذر ما ليس بقربة نعم لو أمكن صرف النهي عن عين الصوم إلى ترك إجابة دعوة الله تعالى فذلك لا يمنع انعقاده، ولكن ذلك أيضا فاسد كما سبق في القطب الأول، وإن قيل فقد حمل بعض المناهي في الشرع على الفساد دون البعض فما الفصل؟ قلنا: النهي لا يدل على الفساد، وإنما يعرف فساد العقد، والعبادة بفوات شرطه، وركنه، ويعرف فوات الشرط إما بالإجماع كالطهارة في الصلاة، وستر العورة، واستقبال القبلة، وإما بنص، وإما بصيغة النفي، كقوله: «لا صلاة إلا بطهور، ولا نكاح إلا بشهود» فذلك ظاهر في النفي عند عدم الشرط.
وأما بالقياس على منصوص فكل نهي يتضمن ارتكابه الإخلال بالشرط فيدل على الفساد من حيث الإخلال بالشرط لا من حيث النهي، وشرط المبيع أن يكون مالا متقوما مقدورا على تسليمه معينا، أما كونه مرئيا ففي اشتراطه خلاف، وشرط الثمن أن يكون مالا معلوم القدر، والجنس، وليس من شرط النكاح الصداق فلذلك لم يفسد بكون النكاح على خمر أو خنزير أو مغصوب، وإن كان منهيا عنه، ولا فرق بين الطلاق السني، والبدعي في شرط النفوذ، وإن اختلفا في التحريم. فإن قيل: فلو قال قائل: كل نهي رجع إلى عين الشيء فهو دليل الفساد دون ما يرجع إلى غيره، فهل يصح؟ قلنا: لا لأنه لا فرق بين الطلاق في حال الحيض، والصلاة في الدار المغصوبة لأنه إن أمكن أن يقال ليس منهيا عن الطلاق لعينه، ولا عن الصلاة لعينها بل
لوقوعه في حال الحيض ولوقوعها في الدار المغصوبة أمكن تقدير مثله في الصلاة في حال الحيض، فلا اعتماد إلا على فوات الشرط، ويعرف الشرط بدليل يدل عليه، وعلى ارتباط الصحة به، ولا يعرف بمجرد النهي فإنه لا يدل عليه وضعا، وشرعا كما سبق في المسألة التي قبلها، وهذا القدر كاف في صيغة الأمر، والنهي فإن ما يتعلق منه بحقيقة الوجوب، والتحريم، ويضادهما، ويوافقهما فقد ميزناه عما يتعلق بمقتضى الصيغة وقررناه في القطب الأول عند البحث عن حقيقة الحكم، فإن ذلك نظر عقلي، وهذا نظر لغوي من حيث دلالة الألفاظ فلذلك ميزناه على خلاف عادة الأصوليين.