[مسألة قوله عليه السلام لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل]
» حمله أبو حنيفة على القضاء، والنذر.
فقال أصحابنا: قوله: «لا صيام» نفي عام لا يسبق منه إلى الفهم إلا الصوم الأصلي الشرعي، وهو الفرض، والتطوع، ثم التطوع غير مراد فلا يبقى إلا الفرض الذي هو ركن الدين، وهو صوم رمضان، وأما القضاء، والنذر فيجب بأسباب عارضة، ولا يتذكر بذكر الصوم مطلقا، ولا يخطر بالبال بل يجري مجرى النوادر كالمكاتبة في مسألة النكاح، وهذا فيه نظر، إذ ليس ندور القضاء، والنذر كندور المكاتبة، وإن كان الفرض أسبق منه إلى الفهم،
فيحتاج مثل هذا التخصيص إلى دليل قوي، فليس يظهر بطلانه كظهور بطلان التخصيص بالمكاتبة.
وعند هذا يعلم أن إخراج النادر قريب، والقصر على النادر ممتنع، وبينهما درجات متفاوتة في القرب، والبعد لا تدخل تحت الحصر ولكل مسألة ذوق، ويجب أن تفرد بنص خاص، ويليق ذلك بالفروع، ولم نذكر هذا القدر إلا لوقوع الأنس بجنس التصرف فيه، والله أعلم. هذا تمام النظر في المجمل، والمبين، والظاهر، والمؤول، وهو نظر يتعلق بالألفاظ كلها، والقسمان الباقيان نظر أخص فإنه نظر في الأمر، والنهي خاصة، وفي العموم، والخصوص خاصة؛ فلذلك قدمنا النظر في الأعم على النظر في الأخص.
[القسم الثالث في الأمر والنهي]
[النظر الأول في حده وحقيقته]
القسم الثالث: في الأمر، والنهي فنبدأ بالأمر، فنقول: أولا في حده، وحقيقته، وثانيا في صيغته، وثالثا في مقتضاه من الفور، والتراخي أو الوجوب أو الندب، وفي التكرار، والاتحاد، وإثباته.
النظر الأول: في حده، وحقيقته.
، وهو قسم من أقسام الكلام، إذ بينا أن الكلام ينقسم إلى أمر، ونهي، وخبر، واستخبار، فالأمر أحد أقسامه، وحد الأمر أنه القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به، والنهي هو القول المقتضي ترك الفعل، وقيل في حد الأمر: إنه طلب الفعل، واقتضاؤه على غير، وجه المسألة، وممن دون الآمر في الدرجة احترازا عن قوله: اللهم اغفر لي، وعن سؤال العبد من سيده، والولد من والده ولا حاجة إلى هذا الاحتراز، بل يتصور من العبد، والولد أمر السيد، والوالد، وإن لم تجب عليهما الطاعة، فليس من ضرورة كل أمر أن يكون واجب الطاعة بل الطاعة لا تجب إلا لله تعالى، والعرب قد تقول: فلان أمر أباه، والعبد أمر سيده، ومن يعلم أن طلب الطاعة لا يحسن منه فيرون ذلك أمرا، وإن لم يستحسنوه.
وكذلك قوله: اغفر لي فلا يستحيل أن يقوم بذاته اقتضاء الطاعة من الله تعالى أو من غيره فيكون آمرا، ويكون عاصيا بأمره. فإن قيل: قولكم الأمر هو القول المقتضي طاعة المأمور أردتم به القول باللسان أو كلام النفس؟ قلنا: الناس فريقان:
الفريق الأول: هم المثبتون لكلام النفس، وهؤلاء يريدون بالقول ما يقوم بالنفس من اقتضاء الطاعة، وهو الذي يكون النطق عبارة عنه، ودليلا عليه، وهو قائم بالنفس، وهو أمر بذاته، وجنسه، ويتعلق بالمأمور به، وهو كالقدرة فإنها قدرة لذاتها، وتتعلق بمتعلقها، ولا يختلف في الشاهد، والغائب في نوعه، وحده، وينقسم إلى قديم، ومحدث كالقدرة، ويدل عليه تارة بالإشارة، والرمز، والفعل، وتارة بالألفاظ، فإن سميت الإشارة المعرفة أمرا فمجاز لأنه دليل على الأمر لا أنه نفس الأمر.