[مسألة إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز]
فاللفظ للحقيقة إلى أن يدل الدليل أنه أراد المجاز
ولا يكون مجملا، كقوله: رأيت اليوم حمارا واستقبلني في الطريق أسد، فلا يحمل على البليد والشجاع إلا بقرينة زائدة، فإن لم تظهر فاللفظ للبهيمة والسبع. ولو جعلنا كل لفظ أمكن أن يتجوز به مجملا تعذرت الاستفادة من أكثر الألفاظ، فإن المجاز إنما يصار إليه لعارض. وهذا في مجاز لم يغلب بالعرف. بحيث صار الوضع كالمتروك مثل الغائط والعذرة، فإنه لو قال: رأيت اليوم عذرة أو غائطا لم يفهم منه المطمئن من الأرض وفناء الدار؛ لأنه صار كالمتروك بعرف الاستعمال، والمعنى العرفي كالمعنى الوضعي في تردد اللفظ بينهما، وليس المجاز كالحقيقي لكن المجاز إذا صار عرفيا كان الحكم للعرف.
[خاتمة جامعة]
اعلم أن الإجمال تارة يكون في لفظ مفرد وتارة يكون في لفظ مركب وتارة في نظم الكلام والتصريف وحروف النسق ومواضع الوقف والابتداء. أما اللفظ المفرد فقد يصلح لمعان مختلفة كالعين للشمس والذهب والعضو الباصر والميزان، وقد يصلح لمتضادين كالقرء للطهر والحيض والناهل للعطشان والريان، وقد يصلح لمتشابهين بوجه ما كالنور للعقل ونور الشمس، وقد يصلح لمتماثلين كالجسم للسماء والأرض والرجل لزيد وعمرو، وقد يكون موضوعا لهما من غير تقديم وتأخير، وقد يكون مستعارا لأحدهما من الآخر كقولك: الأرض أم البشر، فإن الأم وضع اسم للوالدة أولا، وكذلك اسم المنافق والكافر والفاسق والصوم والصلاة فإنه نقل في الشرع إلى معان ولم يترك المعنى الوضعي أيضا. أما الاشتراك مع التركيب فكقوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] فإن جميع هذه الألفاظ مرددة بين الزوج والولي. وأما الذي بحسب التصريف فكالمختار للفاعل والمفعول.
وأما الذي بحسب نسق الكلام فكقولك: كل ما علمه الحكيم فهو كما علمه، فإن قولك " فهو كما علمه " متردد بين أن يرجع إلى كل ما " وبين أن يرجع إلى الحكيم حتى يقول: والحكيم يعلم الحجر، فهو إذا كالحجر. وقد يكون بحسب
الوقف والابتداء، فإن الوقف على السموات في قوله تعالى: {وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم} [الأنعام: 3] له معنى يخالف الوقف على الأرض والابتداء بقوله: {يعلم سركم وجهركم} [الأنعام: 3] وقوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] من غير وقف يخالف الوقف على قوله: إلا الله وذلك لتردد الواو بين العطف والابتداء. ولذلك قد يصدق قولك: الخمسة زوج وفرد أي هو اثنان وثلاثة، ويصدق قولك: الإنسان حيوان وجسم؛ لأنه حيوان وجسم أيضا. ولا يصدق قولك: الإنسان حيوان وجسم، ولا قولك: الخمسة زوج وفرد؛ لأن الإنسان ليس بحيوان وجسم وليست الخمسة زوجا وفردا أيضا؛ وذلك؛ لأن الواو يحتمل جمع الأجزاء وجمع الصفات. وكذلك تقول: زيد طبيب بصير، يصدق، وإن كان جاهلا ضعيف المعرفة بالطب ولكن بصير بالخياطة، فيتردد البصير أن يراد به البصير في الطب أو يراد وصف زائد في نفسه. فهذه أمثلة مواضع الإجمال.