وهذا على مذهبه إن لم ينظر إلى القرائن لازم، أما من نظر إلى القرائن فلا يبعد أن يعلم صدقهم بنوع من النظر. فإن قيل: خبر الواحد الذي عمل به الأمة هل يجب تصديقه؟ قلنا: إن عملوا على وفقه فلعلهم عملوا عن دليل آخر وإن عملوا به أيضا فقد أمروا بالعمل بخبر الواحد وإن لم يعرفوا صدقه، فلا يلزم الحكم بصدقه. فإن قيل لو قدر الراوي كاذبا لكان عمل الأمة بالباطل، وهو خطأ ولا يجوز ذلك على الأمة.
قلنا: الأمة ما تعبدوا إلا بالعمل بخبر يغلب على الظن صدقهم فيه، وقد غلب على ظنهم، كالقاضي إذا قضى بشهادة عدلين فلا يكون مخطئا وإن كان الشاهد كاذبا بل يكون محقا لأنه لم يؤمر إلا به.
[القسم الثاني من الأخبار ما يعلم كذبه]
من الأخبار ما يعلم كذبه وهي أربعة:
الأول: ما يعلم خلافه بضرورة العقل أو نظره أو الحس والمشاهدة أو أخبار التواتر، وبالجملة ما خالف المعلوم بالمدارك الستة المذكورة، كمن أخبر عن الجمع بين الضدين وإحياء الموتى في الحال وأنا على جناح نسر أو في لجة بحر وما يحس خلافه.
الثاني: ما يخالف النص القاطع من الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة، فإنه ورد مكذبا لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللأمة.
الثالث: ما صرح بتكذيبه جمع كثير يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، إذا
قالوا: حضرنا معه في ذلك الوقت، فلم نجد ما حكاه من الواقعة أصلا.
الرابع: ما سكت الجمع الكثير عن نقله والتحدث به مع جريان الواقعة بمشهد منهم ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره لتوفر الدواعي على نقله، كما لو أخبر مخبر بأن أمير البلدة قتل في السوق على ملأ من الناس ولم يتحدث أهل السوق به فيقطع بكذبه، إذ لو صدق لتوفرت الدواعي على نقله ولأحالت العادة اختصاصه بحكايته، وبمثل هذه الطريقة عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن ونص الرسول على نبي آخر بعده، وأنه أعقب جماعة من الأولاد الذكور، ونصه على إمام بعينه على ملأ من الناس، وفرضه صوم شوال وصلاة الضحى وأمثال ذلك مما إذا كان أحالت العادة كتمانه.
فإن قيل فقد تفرد الآحاد بنقل ما تتوفر الدواعي عليه حتى وقع الخلاف فيه، كإفراده - صلى الله عليه وسلم - الحج أو قرانه، وكدخوله الكعبة وصلاته فيها، وإنه - عليه السلام - نكح ميمونة وهو حرام، وإنه دخل مكة عنوة، وقبوله شهادة الأعرابي وحده على رؤية الهلال، وانفراد الأعرابي بالرؤية حتى لم يشاركه أحد فيه، وانشقاق القمر ولم ينقله إلا ابن مسعود - رضي الله عنه - وعدد يسير معه وكان ينبغي أن يراه كل مؤمن وكافر وباد وحاضر، ونقل النصارى معجزات عيسى - عليه السلام - ولم ينقلوا كلامه في المهد وهو من أعظم العلامات، ونقلت الأمة القرآن ولم ينقلوا بقية معجزات الرسول - عليه السلام - كنقل القرآن في الشيوع، ونقل الناس أعلام الرسل ولم ينقلوا أعلام شعيب - عليه السلام -، ونقلت الأمة سور القرآن ولم تنقل المعوذتين نقل غيرهما حتى خالف ابن مسعود - رضي الله عنه - في كونهما من القرآن وما تعم به البلوى من اللمس والمس أيضا.
فكل هذا نقض على هذه القاعدة. والجواب أن إفراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرانه ليس مما يجب أن ينكشف وأن ينادي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الكافة، بل لا يطلع عليه إلا من أطلعه عليه أو على نيته بإخباره إياه. نعم ظهر على الاستفاضة تعليمه الناس الإفراد والقران جميعا. وأما دخول الكعبة وصلاته فيها فقد يكون ذلك مع نفر يسير ومع واحد واثنين ولا يقع شائعا، كيف ولو وقع شائعا لم تتوفر الدواعي على دوام نقله لأنه ليس من أصول الدين ولا من فرائضه ومهماته؟ وأما دخوله مكة عنوة فقد صح على الاستفاضة دخوله متسلحا مع الألوية والأعلام وتمام التمكن والاستيلاء وبذله الأمان لمن دخل دار أبي سفيان ولمن ألقى سلاحه واعتصم بالكعبة وكل ذلك غير مختلف فيه ولكن استدل بعض الفقهاء بما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ودى قوما قتلهم خالد بن الوليد - رضي الله عنه - على أنه كان صلحا.