وفي الحديث من الفقه أن اليهود إذا رضوا بحكم الإسلام حكم بينهم إن أحب بغير رأي أساقفتهم، وألايحفر للمرجوم لأنه لو حفر لليهودي لم يقدر أن يحني على المرأة ليقيها الحجارة. وبهذا أخذ مالك ألايحفر له، وقال بعض أصحابه: الإمام مخير إن شاء حفر له وإن شاء لم يحفر له، وألاجلد على المرجوم. وفي مصنف أبي داود وكتاب الشرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في رجل وطئ جارية امرأته وكانت أحلتها له بجلد وإن لم تكن أحلتها له برجم «2» .
«حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم» في نقض الصلح الحرام وإقامة الحد على الزاني البكر وعلى المريض وصفة السوط
في الموطأ مالك عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، وقال الاخر، وهو أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم. قال: «تكلم» ، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته. فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وجارية لي ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني: جلد مائة، وتغريب سنة، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله عز وجل، أما غنمك وجاريتك فرد عليك» ، وجلد ابنه مائة، وغربه عاما، وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الاخر فإن اعترفت رجمها. فاعترفت فرجمها «3» .
قال مالك: العسيف: الأجير. قال بعض العلماء: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لأقضين بينكما بكتاب الله» أي بحكم الله الذي هو وحي ليس بقرآن بقول الله عز وجل: أم عندهم الغيب فهم يكتبون [القلم: الاية 47] . أي يحكمون. وقيل: إن ذلك من مجمل القرآن في قوله سبحانه وتعالى: ويدرؤا عنها العذاب [النور: الاية 8] . وهي التي يرميها زوجها، فأبان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله أن ذلك العذاب الرجم على الزاني المحصن. PageV01P021
وفي الحديث من الفقه: نقض الصلح الحرام، والتوكيل على إقامة الحد، بخلاف قول أبي حنيفة الذي لا يجيز الوكالة على الحدود إلا على إقامة البينة خاصة، وإقرار الزاني مرة واحدة، وألايجلد من وجب رجمه، وسؤال عالم وثم أعلم منه. وأن من رمى امرأة غيره بالزنا أن السلطان يبعث إليها فإن أقرت حدت وبرئ الرامي الذي رماها، وإن أنكرت جلد الذي رماها الحد. وإجازة خبر الواحد في الأحكام والأعذار إلى المحكوم عليه، وتغريب الزاني البكر ولا تغريب على النساء ولا على العبيد لأن النساء عورة والعبيد سلعة. وتأول البخاري أن التغريب النفي فترجم الباب في كتابه: البكران يجلدان وينفيان.
وقال النسائي في صون النساء عن مجلس الحكم في الموطأ مالك عن زيد بن أسلم: أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط فأتي بسوط مكسور فقال: «فوق هذا» ، فأتي بسوط جديد، لم تقطع ثمرته فقال: «دون هذا» ، فأتي بسوط قد ركب به ولان، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد. ثم قال: «أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي صفحته نقم عليه كتاب الله» «1» . قوله لم تقطع ثمرته يعني طرفه، والثمرة الطرف.