بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لا تحصى نعمه، ولا يتناهى كرمه، وصلى الله على محمد نبيه، الذي أنارت آياته، ووضحت بيناته، وعلى آله الذين اهتدوا بمناره، واقتدوا بآثاره، وسلم عليه وعليهم أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، تسليما دائما أبد الآبدين.
أما بعد:
فإن الله تعالى يقول في كتابه المنزل على نبيه المرسل صلى الله عليه وسلم: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) } [سورة البقرة] فكان كل من الأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم يبعث إلى قومه، أو إلى طائفة من الناس خاصة، والنصوص شاهدة بذلك، وخص الله عز وجل نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بعموم الرسالة إلى الناس كافة، قال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} [سورة سبأ: 28] ، وأوجب عليه التبليغ إليهم، وإقامة الحجة عليهم، وأكرمه بالعصمة منهم. فقال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس (67) } [سورة المائدة] ، وأوجب عليهم طاعته في غير موضع من كتابه، وقال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله (80) } [سورة النساء] وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) } [سورة النساء] ثم قال تعالى - وقوله الحق، ووعده الصدق: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [سورة
الحجر: 9] وقال تعالى في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [سورة النجم: 3 - 4] فأمننا بذلك من وقوع التبديل في التبليغ، وزاد ذلك توكيدا بقوله: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله} [سورة الشورى: 52، 53] ، وقال تعالى: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} [سورة الذاريات 23] وسائر النصوص في هذا المعنى، وقال تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} [سورة الأعراف: 3] ، وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [سورة النحل: 44] ، وقال تعالى في مثله: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه} [سورة النحل: 64] .
فامتثل عليه السلام ما أمر به، وبلغ إليهم ما أوحى إليه، وبين لكل منهم ما أشكل عليه، ثم امتن تعالى على المؤمنين به حين عرف أداء رسوله إليهم ما أوجبه عليهم، فقال عز وجل: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [سورة المائدة: 3] .
ثم قرر صلى الله عليه وسلم الحاضرين لديه على تبليغه إليهم ما أوحي إليه، فقال لهم في مشاهد العموم: " ألا هل بلغت " فقالوا: اللهم نعم. فلما أقروا بذلك أمرهم بالتبليغ عنه، فقال: " ليبلغ الشاهد الغائب " تنبيها على أنه لا تقوم الحجة إلا بالبلاغ، ولذلك أمر أن يقول: {لأنذركم به ومن بلغ (19) } [سورة الأنعام] ، فتعين عليهم النقل والتبيلغ، والتزموه، وتعين على من بعدهم السمع والطاعة للصحيح الذي نقلوه.