الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكرى رحمه الله: الحمد لله حمدا يقتضي رضاه، ولا ينقضي مداه، وصلى الله على محمد نبيه الذي اصطفاه. واختاره لرسالته واجتباه. وسلم تسليما.
هذا كتاب شرحت فيه من النوادر التي أملها أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي ما أغفل، وبينت من معاني منظومها ومنثورها ما أشكل، ووصلت من شواهدها وسائر أشعارها ما قطع، ونسبت من ذلك إلى قائليه ما أهمل، وكثيرا ما يرد البيت المفرد، والشعر الغفل المجرد، على ما ذكرت في صدر كتابي المؤلف، في أبيات الغريب المصنف، وذكرت اختلاف الروايات فيما نقله أبو علي ذكر مرجح ناقد، ونبهت على ما وهم فيه تنبيه منصف لا متعسف ولا معاند، محتج على جميع ذلك بالدليل والشاهد، والمستعان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما بنا من نعمة فمن الله.
ع في صدر الكتاب حرفان من الغريب أحدهما " إذا أعطى أسنع والسنيع الحسن يقال امرأة سنيعة وقد سنعت وهي الجميلة اللينة المفاصل في كمال. وقال أبو عبيد عن أبي عمرو: السنيع الحسن. والسنع أيضا الطول يقال رجل أسنع أي طويل وشرف أسنع أي مرتفع نباه. ويروي وإذا أعطى أشبع.
والثاني قوله: " مذلت بما كنت عليه شحيحا يقال مذل فلان بسره إذا قلق ومذل بماله إذا جاد، قال الأسود بن يعفر:
ولقد أروح على التجار مرجلا ... مذلا بمالي لينا أجيادي
ويقال مذل ومذل بالفتح والكسر إذا لم يستقر في مكان.
قال أبو علي وهو إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سامان مولى عبد الملك بن مروان، مولده بمنازجرد من ديار بكر سنة 288 هذا وتوفي
بقرطبة في جمادى الأولى سنة 356 ه: " قرأ أبو عمرو ما ننسخ من آية أو ننسأها إلى آخر ما ذكر في هذه الآية قال المؤلف: قرأ ابن كثير كما قرأ أبو عمرو وهي رواية مجاهد وعطاء، وقرأ الباقون من السبعة أو ننسها بضم النون وكسر السين وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب والضحاك. وهي في قراءة أبي ما ننسخ من آية أو ننسك بضم النون وبالكاف وفي قراءة سعيد أو ننسها بفتح النون. وكلهم قرأ ما ننسخ من آية بفتح النون من ننسخ إلا ابن عامر فإنه قرأ ما ننسخ بضم النون وكسر السين. واختلف المفسرون في معنى النسخ هنا. فقال السدي هو قبضها وهو مثل قوله تعالى: " فينسخ الله ما يلقي الشيطان " أي يذهب به كما روى حماد بن سلمة عن داود ابن أبي هند عن أبي حرب ابن أبي الأسود عن أبيه عن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة كنا
نشبهها في الطول ببراءة فرفعت وحفظ منها " لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ". وكما روى أصحاب الزهري عن الزهري عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف أن رهطا من الأنصار من أصحاب النبي عليه السلام أخبروه أن رجلا قام في جوف الليل يريد أن يفتتح سورة قد كان وعاها فلم يقدر منها على شيء فأتى باب النبي صلى الله عليه حين أصبح يسأله عن ذلك ثم جاء آخر وآخر حتى اجتمعوا فسأل بعضهم بعضا ما جمعهم فأخبر بعضهم بعضا بشأن تلك السورة ثم أذن لهم النبي عليه السلام فأخبروه وسألوه عن السورة فقال: نسخت البارحة، فنسخت من صدورهم ومن كل شئ كانت فيه. وقال آخرون منهم عطاء وغيره: ما ننسخ أي ما نكتبه لمحمد من اللوح ويقوي هذا التأويل قراءة ابن عامر ما ننسخ أي ما ننسخك يا محمد. واختلفوا في قوله تعالى أو ننسها فقال الحسن وغيره هو من النسيان الذي يذهب بقراءتها من أصلها وبعملها فهو كالنسخ في أحد القولين. وقال السدي معنى أو ننسها أي نتركها محكمة لا نبدل حكمها ولغير فرضها وهو مروي عن ابن عباس، ويقوي هذا التأويل قراءة من قرأ أو ننسها بفتح النون ومنه قوله سبحانه " نسوا الله فنسيهم " أي تركوه فتركهم لأن الله عز وجل لا يضل ولا ينسى. وقد أنكر قوم أن يكون الله عز وجل ينسى نبيه شيئا مما أوحى إليه واحتج بقوله " ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك " فلم يشإ الله أن يذهب منه بشيء. واحتج آخرون في جواز ذلك بقوله تعالى " سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ". والآيتان محكمتان إخبار خرج مخرج العموم إلا ما خص منه الاستثناء في الواحدة ويقوي هذا أن عائشة قد روت أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يقرأ القرآن فقال: رحم الله هذا أذكرني آية كنت أنسيتها وأنه صلى